بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
تقوم الشريعة الإسلامية في بناء أحكامها وتوجيه سلوك المكلفين على أصلٍ عظيم، هو اعتبار المآلات وسدّ الذرائع المفضية إلى المفاسد، فلا يُنظر إلى الأفعال في صورها المجردة، بل فيما تؤول إليه عرفًا وواقعًا، إذ الوسائل لها أحكام المقاصد متى غلب إفضاؤها إليها. ومن هذا الباب ما تقرر في السلوك الاجتماعي والأسري من إن تصرفات الفرد لا تقف آثارها عند شخصه، بل تتعدّاه إلى والديه وأقربائه، مدحًا أو قدحًا، بحسب ما جرى به عرف الناس واستقر عليه فهمهم، فيربطون حال الفرع بأصله، ويُفسّرون الأفعال بسياقها العائلي، وهو ربط معتبر شرعًا؛ إذ بُنيت عليه نصوص وأحكام.
ومن أوضح الشواهد على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إن النبي ﷺ قال: "إن من أكبر الكبائر إن يلعن الرجل والديه"، فلما استغرب الصحابة ذلك وقالوا: كيف يلعن الرجل والديه؟ بيّن لهم ﷺ وجه المآل فقال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه"، فجعل سبّ الناس وهو في ظاهره موجَّه إلى غير الوالدين من أعظم العقوق؛ لا لذاته، بل لما يفضي إليه عرفًا من انتهاك حرمة الوالدين، فحرّم الوسيلة سدًّا لذريعة المفسدة، وربط الحكم بما يترتب عليه في الواقع الاجتماعي لا بمجرد القصد المباشر.
وهذا المعنى لا يختص بالوالدين، بل يجري في سائر الأقارب، إذ العرف شاهد بأن من طعن في الناس طُعن في أهله، ومن أطلق لسانه في أعراضهم فُتح الباب للقدح في أقاربه، فكان من تمام البر وصلة الرحم إن يحفظ الإنسان لسانه وسلوكه؛ صيانةً لعرض أهله، وسدًّا لأبواب القطيعة والعداوة، وفي المقابل من أثنى على الناس وعلى والديهم وأهلهم بما فيهم من الخير والصلاح والفضل، أثنوا عليه وعلى أهله بل وفتشوا عن محاسنهم ليذكروها، ويشيعوها وينشروها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الربط العرفي حين حكى قول قوم مريم عليها السلام: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}، إذ ابتدؤوا بذكر أخيها لصلاحه، ثم والديها لعفتهما، مستندين في استغرابهم إلى ما استقر في نفوسهم من إن صلاح الأصل قرينة على صلاح الفرع، وهو منطق اجتماعي لم يُلغِه الشرع، بل اعتبره في توجيه الخطاب وتحقيق المناطات.
ولهذا المعنى رصد الإمام مالك رحمه الله قاعدة اجتماعية عميقة الدلالة حين قال: «أدركتُ أقوامًا لم تكن لهم عيوب، فلما تكلموا في عيوب الناس أُحدِثت لهم عيوب، وأدركتُ أقوامًا كانت لهم عيوب، فلما سكتوا عن عيوب الناس سكت الناس عن عيوبهم»، فبيّن إن فتح باب الكلام في الناس ذريعة إلى فتحه على النفس والأهل ومن نقب عن خطأ غيره نقبوا وأظهروا عيبه لا محالة، وأن سدّ هذا الباب خلقًا وسلوكًا سببٌ لحفظ العرض ودرء الأذى، وهو بعينه معنى سدّ الذرائع في بعده الاجتماعي والأسري.
وبذلك يتبين إن حفظ اللسان وحسن التصرف ليس مجرد تهذيب فردي، بل هو فقه مقاصدي يُراد به حفظ الأعراض، وصيانة الأنساب، وتحقيق صلة الأرحام، وأن كثيرًا من صور البر والعقوق، والوصل والقطيعة، إنما تُفهم على ضوء ما تفضي إليه الأفعال في أعراف الناس ومآلاتها في الواقع، وهو ما جاءت الشريعة باعتباره وتنزيله منزلة المقصود.