الخلل الواقع على قاعدة سد الذرائع

202
4 دقائق
20 ذو القعدة 1447 (07-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السؤال: ما سبب الخلل في قاعدة سد الذرائع خاصة إن بعض الناس ينتفد هذه القاعدة كثيرا، فهل لهم مرتكزات شرعية في أصل ثبوت القاعدة؟

الجواب: الناس في سد الذرائع بين طرفين ووسط، بعضهم بالغ بالسد، وبعضهم بالغ بالإهمال والإلغاء، وبعضهم توسط، فالنقد والثلب يتوجه ويكثر عادة على من يبالغ في السد، فمن بالغ بالسد يُتهم بالشدة لأنه يمنع مباحات على الناس لتوهم أدنى مفسدة فيها، فمن هنا جاء نقد بعض الناس للذرائع، لكن لما تكون المفسدة ظاهرة جلية في تصرف من التصرفات فالناس يقنعون ولا يجادلون لأن كل عاقل يدرك إفضاء هذه الوسيلة للمفاسد الممنوعة شرعا؛ إذ أصل القاعدة متأصل بأدلة لا حصر لها من الكتاب والسنة والإجماع والعقل كما مضى، فالسد للوسائل الصريحة مترادفة عليه أدلة نقلية وعقلية من كل اتجاه، حتى ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تسعة وتسعين دليلا من الكتاب والسنة.

والحق إن الأدلة عليها أكثر بكثير من هذا لأن كل نصوص الكتاب والسنة أربعة أرباع، قاعدة سد الذرائع ربعها فإنها: إما مأمور مقصود بذاته، أو مأمور وسيلة إلى المقصود، وإما نهي مقصود بذاته، أو نهي عن وسيلة مفضية إلى المنهي المقصود، وهذه قاعدة سد الذرائع.

لذا فالنقد الواقع للقاعدة: يكون في الممارسات التنزيلية، التي قد لا تكون صحيحة، لا أصل القاعدة، فالمشكلة في قاعدة سد الذرائع أنها تطبيقية تنزيلية، وهذا ما يجعلها صعبة، خاصة في بعض الوسائل المشتبهة: لأن الوسائل وأحوالها متغيرة متجددة، فما يكون اليوم وسيلة إلى مفسدة قد ينقلب في الغد أو العكس، وما يكون مفضيًا إلى محرم أو مكروه قد لا يكون، وهكذا تتجدد وتتغير الوسائل بكثرة فيصاب الناظر بالارتباك في إقامة الأحكام عليها، لا سيما في هذا الزمن مع كثرة التجدد والتغير الكبير الحاصل فيها فيلتبس الحق بالباطل، فلا يستطيع الناظر تخليص الوسيلة المفضية إلى المحرمات من عدمها بدقة، فيبقى مترددا، فيحتاج كل مرة إلى تجدد الاجتهاد وإعادة النظر فيها، ومع تعدد وكثرة الفساد وطرقه يسارع الناظر والمجتهد إلى الغلق لأنه باجتهاده يحفظ الناس من هذه الوسيلة المشتبهة.

انظر مثلا إلى البث الفضائي تارة يحرم وتارة يباح وتارة يُتردد فيه، بحسب المحتوى المعروض وتبدله وغلبة الحرام من عدمه واختلاف القنوات في هذا، ومثله كاميرات الجوالات بحسب أغراضها، وبعض المعاملات المالية، وقيادة المرأة للسيارة، وغيرها، ففي كل مرة ينظر في إفضاء هذه الوسائل إلى المفاسد من عدمها، فكونها من المتغيرات الشديدة والكثيرة، يصاب النظر بالارتباك والاضطراب في المنع من عدمه، فهي حتى مختلفة بحسب الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وقوة الأنظمة الرادعة لها من عدمها، فمع صدور أنظمة تضبطها وتقيمها يسقط كونها طرقا للمفاسد لأن الناس يرتدعون عنها، لكن مع ضعف الأنظمة الضابطة ترجع وتعود مرة أخرى إلى كونها طرقا للمفاسد، وهكذا الوسائل كلها فيها تغير شديد يجب التأني فيها حتى يتحقق منها تحققا تاما من حيث الإفضاء وعدمه.

وربما اجتهد المجتهد في بعض الوسائل في تنزيل هذه القاعدة عليها فأصاب، وربما أخطأ، وربما يكون الأمر لا إصابة محققة ولا خطأ محقق، فيقع في إشكالات مع المجتمع بمنعه مباحات لا يظهر لهم حرمتها، أو كانت في زمن تفضي لمفاسد ثم انعدم بعد إحداث أنظمة جديدة لها.

وإلا أكثر من ينكر هذا تجده يعمل بها ويقيمها في نفسه فيحفظها من كل أسباب الأمراض والضعف، وبيته بإقامة كل ما يتسرب إلى تلفه، وفي ماله فيكثر من طرق حفظه وتأمينه، وفي تعلمه وتعليمه وتربيته لأبنائه وطلابه بلا توقف، لكن ربما تكون المبالغة في الاحترازات أحيانا من بعض أهل الاجتهاد يجعل القاعدة مثار نقد، فهذه القاعدة الكبيرة الشرعية العقلية قد تتشوه إذا أعملناها في غير محلها ممن كثرت شكوكه فلا يزن الأمور بميزانها الصحيح، ولا في نصابها القويم.

لذا لا يمكن ضبط قاعدة الذرائع إلا بأمرين:

الأول: النظر في انطباق الشروط السابقة على الوسيلة في سدها أو تركها لأن الوسائل لا تتناهى فمردها إلى أصولها وقواعدها، بإعادة تقييم كل وسيلة بين الحين والآخر وتجدد الاجتهاد فيها مرة بعد أخرى، فلا نجمد على منع وسيلة أو فتحها أبد الدهر، بل نعيد النظر في الوسائل لكثرة تغيرها وتبدلها، فإن من قواعد سد الذرائع: إعادة الاجتهاد في كل وسيلة مرة بعد أخرى.

الثاني: الاستعانة بأهل الشرع وأهل الخبرة في كل وسيلة بحسبها، فينظر في كونها مفضية إلى المفسدة من عدمه في كل زمن بسياقه الزماني والحالي، فلا يكشف خبرها إلا أهل الخبرة بها.

ويقابل هؤلاء: طوائف من الناس يلغي الذرائع، ويهملها، فلا يسد ذريعة أبدًا ويتساهل بوسائل تفضي إلى مفاسد عريضة، فتعم وتظهر المفاسد حتى تقضي على محكمات الشرع وكلياته وأصوله، وتنحل أخلاق أهل الإسلام، بإهمال طرق الفساد المفضية إليها.

وانظر في أكبر الكبائر: الشرك لم يتركب ويثبت ويقوى ويشتد في بلاد كثيرة إلا بالتساهل بذرائعه المفضية إليه، وعدم الإعلام بمنافياته الصحيحة من التوحيد ووسائله، وكذا التبرج والسفور لم يستقر هذا الاستقرار ويشتد في أقطار واسعة إلا بترك طرقه ووسائله المفضية إليه، فلا يظهر شرك أو ربا أو زنا أو قتل أو سحر أو قذف إلا يكون مسبوقا بإهمال للوسائل المفضية إليه: إما من قريب أو من بعيد، ولو أقيمت الوسائل الشرعية المقيمة لمحكمات الشرع كاملة من جهة الوجود بالعلم والعمل، وسدت ذرائع الفساد المفضية إليها من جهة العدم، لما وقع أحد البتة بالمفاسد الشرعية.

لكن المفاسد والتفريط بالمصالح يأتي من تظافر واجتماع طريقين:

1- إهمال الأسباب المقيمة لها، فلا تحفظ من جهة إيجاد أصلها بكافة الوسائل المفضية إليها.

2- التساهل بأسباب وذرائع الفساد المفضية إليها، فلا تحفظ من جهة إغلاقها.

فالشرك لا يقع أبدا إلا بأمرين: إهمال تعليم التوحيد الصحيح ومقيماته، والتفريط والتساهل بوسائل الشرك المفضية إليه.

وكذا الزنا لا يقع فيه الناس إلا بسببين: ترك الأسباب النافية له، وهو النكاح الشرعي، وإهمال أسباب الفساد المفضية إليه من الخلوة والتبرج والنظر، والاختلاط الطويل الخاص، والطيب والخضوع بالقول وغيرها، وكذا القتل لا يحصل إلا بإهمال التحذير منه وحرمة دم المسلم، والتساهل بوسائله المفضية إليه من حيازة الأسلحة وإثارة النعرات القبلية والطائفية والغضب والحرص على الدنيا وغيرها.

ومثله يقال في الربا: ترك أسباب التجارة والبيوع المباحة، والوقوع بطرائقه وذرائعه المفضية إليه، وهكذا.

وكلا الطائفتين: من يفتح أو يسد الذريعة في غير محلها، دون مراعاة للشروط والضوابط الصحيحة، مؤد لتعطيل القاعدة وإيقافها؛ إذ لما يسد على الناس ما لا يسد، يتركون: ما لا يسد وما يسد معا، لأنهم لا يثقون بالقائل ولا باجتهاده، ولما يفتح للناس ما يسد: يقعون بالمحظور ابتداء دون مبالاة به.

فأحسن طريق لإعمال قاعدة سد الذرائع: الانضباط بتنزيل القاعدة تنزيلا صحيحًا ليحفظ مصالح الشريعة ويدرأ المفاسد عنها، فلا يمنع على الناس ما أباحه الله لهم، ولا يفتح ما أفضى إلى المفاسد والفواحش الظاهرة والباطنة. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق