بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قال تعالى: {فَمَن حاجَّكَ فيهِ مِن بَعدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعالَوا نَدعُ أَبناءَنا وَأَبناءَكُم وَنِساءَنا وَنِساءَكُم وَأَنفُسَنا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكاذِبينَ} [آل عمران: ٦١].
المباهلة مفاعلة مأخوذة من قوله: (نبتهل)، والابتهال: الدعاء، وهو هنا دعاء مخصوص باللعن على الكاذب.
وقد وردت المباهلة في القرآن في ثلاثة مواضع:
١- للنصارى في هذه الآية، وهي مباهلة بالاتفاق.
٢- ولليهود في قوله: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت}، على أحد القولين في تفسير الآية.
٣- وللمشركين في قوله: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا}، على أحد القولين في الآية.
وفي هذه الكريمة آية آل عمران من المسائل:
١- مشروعية المباهلة في مسائل العلم: {فمن حاجك فيه} أي: في عيسى عليه السلام وادعاء ألوهيته.
٢- المباهلة على مسألة عظيمة، وهي هنا اعتقاد النصارى في عيسى عليه السلام: {فمن حاجك فيه}.
٣- تعيين المسألة محل المباهلة: {فمن حاجك فيه}.
٤- المباهلة بعد إقامة الحجج: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك العلم فقل تعالوا}.
وقد جاءت آية المباهلة بعد ٦٠ آية جلها في الرد على النصارى والاحتجاج عليهم ووعظهم.
وأشعر إن الخطاب في السورة بعدها اختلف عما قبلها، فجاء قوله: {فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين}، وتكرر توجيه الخطاب لأهل الكتاب، وكشف ما يسرونه من إرادة الإضلال، ولبس الحق بالباطل. والله أعلم.
ودل مفهوم قوله: {من بعد}، على أنه لا يباهل قبل بلوغ العلم وإبلاغه، ومفهوم الصفة حجة عند الجمهور.
٥- وجود مصلحة ظاهرة من المباهلة، كخروج جماعة من الناس من الكفر إلى الإسلام، أو من البدعة إلى السنة، أو لكسر شوكتهم، أو لإظهار ما هم عليه من الشك أو الهوى وما في ذلك من نصرة الحق وأهله.
ومن المصالح: الذب عن سنة ثابتة، إذا كثر الشك فيها أو نفيها، كما أراد ابن عباس المباهلة في مسألة في الفرائض، وعرض ابن مسعود المباهلة في سبب نزول سورة النساء.
ويتأيد ذلك بما لو كانوا أهل مِراء، فإنهم أحوج للمباهلة من غيرهم، فعن عبد الله بن الحارث بن جَزء الزبيدي أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليتَ بيني وبيني أهل نجرانَ حجابًا فلا أراهم ولا يروني!" من شدّة ما كانوا يمارون النبي ﷺ.
٦- المباهلة إنما تكون على مسألة معلومةٍ متيقنة لا مظنونة، فلا يدعو الإنسان على نفسه وأهله لأجل مسألة تفيد أدلتها غلبة ظن لا يقين: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم}.
ولذلك والله أعلم أراد الأوزاعي المباهلة ولم يجبه الثوري، لاختلاف رتبة المسألة عندهما؛ فقد روى البيهقي عن سفيان بن عيينة قال: اجتمع الأوزاعي والثوري بمنى فقال الأوزاعي للثوري: لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد، فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ، وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثه مخالف للسنة، قال: فاحمارّ وجه سفيان، فقال الأوزاعي: كأنك كرهتَ ما قلتُ؟ قال الثوري: نعم. فقال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق. قال: فتبسم الثوري لمَّا رأى الأوزاعيَّ قد احتد.
فالأوزاعي كان يرى المسألة محل اتفاق عند عامة العلماء ولذلك أراد المباهلة، ولم يجبه سفيان لأن المسألة لم تكن عنده كذلك.
والمسألةُ قد تكون معلومةً عند عالِمٍ ظنيةً عند آخر، لبلوغ أحدهما من الأدلة ما لم يبلغ الآخر، أو لكون مستند المسألة من اختصاص أحدهما، فالمسألة التي مستندها حديث مختلف في صحته قد تكون يقينية عند المحدِّث، لعلمه بالحديث، ولا تبلغ ذلك عند غيره، وهكذا لو كان محل النزاع في دلالة لفظ فقد يكون الأصولي أو اللغوي أبصر بها من غيره.
٧- مشروعية الابتداء بطلب المباهلة، لقوله: {فقل تعالوا}، ومن باب أولى جواز الإجابة لها عند قيام مقتضيها.
٨- صفة المباهلة وهو جمع الأهل ثم التلاعن: {فقل تعالوا ندع أبناءنا} الآية. قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا} دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". رواه مسلم.
٩- ظاهر الآية إن المباهِل يدعو جميع الأبناء والبنات والزوجات، ودلت السنة على إن بعضهم كافٍ عن جميعهم.
١٠- ظاهر الآية إن المباهلة مختصة بالدعاء باللعن، ولو صح إن الآيتين الأخريين: {فتمنوا الموت}، {فليمدد له الرحمن} مباهلة، فيكون المقصود الدعاء عليه سواء كان باللعن أو غيره.
١١- المباهلة تكون بين اثنين أو جماعتين لقوله: {نبتهل} والابتهال افتعالٌ بمعنى التفاعل، وعلى ذلك فليس منها من دعا على نفسه فقط إن كان كاذبا.
١٢- لما كان التباهل في الأصل مع من ترك الحق بعد وضوحه، والحقُّ إذا لم يترك لشبهة فإنما يكون لشهوة = ناسب في المباهلة الدعاء على أعظم المحبوبات وهم الأبناء والنساء، وقدَّم الأبناء على الأزواج لأن المقام مقام رحمة، والأب أرحم بابنه منه بزوجه، كقوله في سورة عبس: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} بالترقي في الفرار من الأدنى للأعلى، فذكر الابن بعد الصاحبة وهي الزوجة، فإذا فر من ابنه -وهو أعظم الناس شفقة عليه- فقد بلغ الهول غايته. نسأل الله العافية والسلامة.
وهذا بخلاف الآية في أول السورة (سورة آل عمران): {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين}، حيث قدَّم النساء على الأبناء عند ذكر الشهوات.
١٣- حضور الأبناء والنساء وشهودُهم مجلس المباهلة مقصودٌ: {تعالوا ندع. ثم نبتهل}، فهو أبلغ في الزجر من الدعاء عليهم في غيبتهم.
١٤- نهى النبي ﷺ عن الدعاء على النفس والأهل؛ ففي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم".
فعموم النهي مخصوصٌ بالمباهلة والملاعنة.
ولم يشرع الدعاء باللعن -والله أعلم- إلا في المباهلة والملاعنة بين الزوجين، وآثارهما معجلة، ففي الملاعنة: يكون الفراق على التأبيد، وينفى الولد. وفي المباهلة: قيل: إن الكاذب لا يحول عليه الحول.
والمباهلة فيها تغليظ أشد من الملاعنة، فالملاعِن يدعو على نفسه، والمباهل يدعو على نفسه وأهله، وسبب ذلك -والله أعلم- إن المباهلة شرعت في الأصل في مسائل الشرع وفي القول على الله، بخلاف الملاعنة فإنها شأنٌ خاصٌّ بين الزوجين.
والله أعلم.