بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
بين حطامِ "جنّةٍ" أكلتها نارُ الغفلة، وتحت رمادِ أمانٍ تبددت لمجردِ غيابِ نيةِ العطاء، تتجلى لنا في سورة القلم ملامحُ رحلةٍ شعورية تبدأ بالذهول وتنتهي بالوصول.
ففي لحظةِ الصدامِ مع الخسارة، انبعث من بين ركامِ الذهول صوتُ "الأوسط"؛ ذاك العاقلُ الذي لا يرفع ضجيجًا بل نصحًا، ليذكّرهم بأن النعمة لا تُصان بحسنِ التدبير والأسوارِ العالية، بل ب "التسبيح" الذي يربط الأرض بالسماء، فالعقلاء هم الذين يُبصرون المنزلقات قبل إن تزلّ فيها الأقدام، ويدركون إن الصديق الصادق ليس من يجاريك في غيّك، بل من يكون "بوصلتك" التي تردّك إلى الله قبل حلول النقم.
وحين سقطت الأقنعة أمام عدل الله، لم يجدوا ملاذًا إلا في "محراب الانكسار"، فصدحت أرواحهم بتنزيهِ مَن لا يظلم الناس شيئًا: {سبحان ربنا إنا كنا ظالمين}.
لقد أدركوا في لحظةِ صدقٍ فارقة إن المكابرة حِجاب، وأن الاعتراف بالتقصير هو أولُ معالم الجبر الإلهي، فما غلّفوا خطيئتهم بغلاف التبرير البارد، بل وقفوا بفقرهم أمام غناه، معترفين بأن القضاء عدلٌ وأن التقصير محضُ بشريّ.
بيدَ إن النفس الإنسانية في مهبّ الأزمات قد تضلُّ طريقها نحو "تلاومٍ" لا يُسمن ولا يغني من جوع، حيثُ يصبح البحث عن "المخطئ" نزيفًا للوقت وهروبًا من مواجهة الواقع.
لكنّ العبرة تكمن في إغلاق ملفات اللوم وفتح آفاق الإصلاح؛ فالتلاوم شيمة العاجزين، أما الأقوياء فهم الذين يوقفون سيل الملامة ليرمموا ما انكسر، محولين الندم إلى طاقة بناء لا إلى معركة تفتت شمل القلوب.
ولم تقف توبتهم عند حدود الندم العام، بل بلغت ذروة الصدق في "شجاعة التسمية"، حين واجهوا أنفسهم بحقيقتها المُرّة: "إنا كنا طاغين".
لقد سمّوا الأشياء بمسمياتها، فالبخل ليس حرصًا، والمنع ليس ذكاءً، بل هو طغيانٌ على حق الفقير وتجاوزٌ للحدود. ومن هنا، صار لزامًا على كل سائرٍ إن يحاسب نفسه حساب "الشريك الشحيح"، فيسمي تقصيره باسمه الحقيقي قبل إن ينادي الويْل، ليعود إلى جادة الطريق بقلبٍ خالٍ من الزيف.
وفي ختام هذا المشهدِ المهيب، ينبثقُ فجرُ الرجاء من وسط الرماد، ليعلمنا إن "عسى" من الكريم هي وعدٌ بالتبديل، ويقينٌ بأن الله لا يسلبُ شيئًا إلا ليحمي القلب من التعلق بغيره.
لقد حوّل هؤلاء رغبتهم من "الجنة الدنيوية" التي احترقت وفنيت، إلى "رب الجنة" الذي يبقى ويفيض، فكان العوض الحقيقي في تلك "الرغبة" التي اتجهت بكليتها نحو الله. وهكذا، تظل خساراتنا مجرد جسورٍ للعودة، فإذا ما ردد اللسان بلسان اليقين "إنا إلى ربنا راغبون"، استقامت الحياة واستحال الرمادُ بستانًا من العطايا التي لا تنفد.