بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
في طفولتي كنت أستمتع بارتداء أقنعة الأبطال الخارقين البلاستيكية؛ تلك التي نشتريها في الأعياد، وحين أضع القناع على وجهي كنت أشعر بقوة خفية، أركض في فناء الدار، وأظن إن لا أحد يعرفني؛ بينما كان الجميع يناديني باسمي. وحين كبرت، استعدت تلك الرغبة الطفولية في التخفي؛ فقررت في فترة ما من حياتي إن أرتدي قناعًا من نوع آخر، قناعًا من الحروف؛ واخترت الكتابة باسم مستعار للتخفف من ثقل هويتي، وما يفرضه اسمي الحقيقي من قيود وتوقعات.
كنت أشعر حينها أني “بطل” افتراضي، يطير في سماء الكلمات بلا جاذبية، أكتب رأيًا حادًّا هنا، وبوحًا عاطفيًّا هناك، في تلك الزاوية أناس يصفقون لحرفي دون إن يعرفوا من أكون، وفي الزاوية الأخرى نقاشات ساخنة ألقي فيها حجري ثم أختفي، سلوكيات متعددة تتبع خيط البحث عن حرية التعبير دون دفع ضريبة الانكشاف، أمزجة مختلفة، وأنماط متعددة للبوح، جرأة هنا، وانفلات هناك، الحروف كانت تتشكل أمامي حرفيًّا. كل هذا وصاحبكم المتخفي كان يظن أنه وجد المساحة لتي يكون فيها نفسه أخيرًا.
لكن مع مرور الوقت، تسلل إليّ هاجس خفي؛ صرت أزن الكلمات بميزان الخوف من الانكشاف، أبتعد عن مفرداتي الأثيرة، وأتجنب تراكيب الجمل التي تميزني، بل وحتى الأفكار التي قد تدل عليّ. كلما كتبت نصًّا، قرأته بعين المحقق: “هل سيشتمّون رائحتي في هذا السطر؟ ”. وهكذا، تحولت الحرية المزعومة إلى قيد أشد قسوة؛ لم أعد أكتب لأعبر عن نفسي، بل أكتب لأخفيها. لقد أردت الهروب من اسمي، فإذا بي أهرب من نفسي.
وكما قال جورج أورويل في (إطلاق النار على فيل):
"إنه يرتدي قناعًا، وينمو وجهه ليتناسب معه".
هذه العبارة الموجزة والعميقة تلخص تلك المأساة بدقة. نعم. نحن نصنع أقنعتنا في البداية لنتخفى خلفها، لكن مع مرور الوقت، تتشكل أرواحنا لتناسب هذه الأقنعة، فننسى ملامحنا الحقيقية، ونضيع طريق العودة إلى ذواتنا الواقعية.
اليوم، وأنا أنظر إلى تلك التجربة التي تركتها خلفي منذ سنوات، يدرك صاحبكم إن التخفي الحقيقي لا يأتي من التخلي عن الهوية، بل من التصالح معها.
لقد أغلقت تلك الحفلة التنكرية أبوابها منذ زمن، وخلعت ذلك القناع الذي كاد إن يلتصق بوجهي؛ لأعود إلى مساحتي الحقيقية، قابلًت بكل تناقضاتي، وقيودي التي هي في الحقيقة جذوري.