بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
يا أيُّها المسلمون اتقوا اللهَ حقَّ تقاتهِ، فإنَّ في تقواهُ عزَّ وجلَّ العصمةُ من الضلالةِ، والسلامةُ من الغوايةِ، والأمنَ من المخاوفِ، والنجاةَ من المهالكِ. ومن حقَّقَ التقوى آتاه اللهُ نورًا يفرِّقُ به بين الضلالةِ والهدى، والبصيرةِ والعمى، {يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.
معاشر المؤمنين الكرام: المتأمل في قصةَ إبراهيم عليه السّلام وسيرته في القرآن الكريم، يجد أنها من أطول القصص وأكثرها تفصيلا وأحداثًا، وأعمقها عِظةً وعبرة، وهذا يعني إن لها دورًا كبيرًا في تحقيق أهداف القرآن الكريم ومقاصده. كما إن لها ارتباطًا بالأضحية ومناسك الحج، مما يجعلنا نشتاقُ لمعرفة تفاصيل هذه السيرة العطرة، وما فيها من الدروس والعبر. فمن أين نبدأ الحكاية.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الأب الثالث للبشرية. فلئن كان آدم عليه السلام هو أبو البشرية الأول، ولئن كان نوحٌ عليه السلام هو الأب الثاني، فإن إبراهيم عليه السلام هو الأب الثالث. جعل الله النبوة والكتاب في ذريته، فلم يأت نبيٌّ بعده إلا من ذريته؛ وجعله مَثَلًا أعلى للبشر، فقال تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، وقال تعالى: {إن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}. اختاره الله لبناء بيته العتيق، وكعبته المشرفة، أول بيتٍ وُضع للناس، وأمره إن يؤذن في الناس ويدعوهم للحج إليه، فكل من حجَّ أو اعتمر فإنما يلبي دعوة إبراهيم عليه السلام. وفي قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، أمرٌ للأمة جمعاء إن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى، تكريمًا لذكراه، وإحياءً لآثاره عليه السلام.
{إن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}، وإبراهيم معناها: الأب الرحيم، شهد الله له بسلامة القلب، فقال تعالى: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم}. وأثنى عليه بقوله: {إن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. والأُمة هو: القدوة، المعُلمُ للخير. والقانت: هو الملازمُ لطاعة الله. والحنيف: هو المقبل على الله تعالى المعرض عما سواه. وقال عنه أيضًا: {إن إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}، فالحليم: هو الصبور المتأني. والأوَّاه: هو المتضرّع في الدُّعاء. والمنيب: هو الرَّجاع إلى ربه.
وجميع أهل الملل متفقون على تعظيمه ومحبته، وتوقيره والثناء عليه. وقد كان المصطفى ﷺ يُجله ويعظمه. ففي صحيح مسلم إن رَجُلًا جَاءَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ".
وكان رسولنا ﷺ أشبه الخلق به، ففي الحديث الصحيح إن النبي ﷺ قال: "رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ ﷺ".
ولم يؤمر رسول الله ﷺ إن يتبع ملةَ أحدٍ من الأنبياء غيره، فقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ إن اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وأمر الأمة بذلك فقال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}.
{إن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}، فقد شهد الله له بأنه قد وفَّى بكل ما أُمر به، فقال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، قال ابن عباس: وفَّى بالقيام بجميعَ شرائع الإسلام، ووفَّى ما أُمر به من تبليغ الرسالة. وقال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، فلما أتمَّ ما أُمرَ به، جعلهُ الله إمامًا للناس يأتمون به. واتخذه اللهُ خليلًا، والخلةُ هي كمالُ المحبة، ووهب له الأولاد بعد الكبر واليأس، ثم امتحنه سبحانه فأمرهُ بذبح ابنه إسماعيل، فلمَّا استسلما للأمر، وعزما على التنفيذ، فدا الله الابن بذبحٍ عظيم؛ وجعلهما من المحسنين، ثم صارت الذبائح والقرابين والضحايا سنة في الأمة إلى يوم الدين.
{إن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}. فهو الذي فتح للأمة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل، وإلزامهم بالحجة الواضحة إلى إن يقروا أو يُبهتوا. مع ما في مناظراته من الأدب، وحسن الجدال. وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع الملك الطاغية الظالم، ومناظرته مع عباد الأوثان، ومع عباد الكواكب والنجوم، وأظهر الله حجته على الجميع وأفحمهم، قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}.
بدأ نبي الله إبراهيم عليه السلام دعوته إلى توحيد الله بدعوة أبيه، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. وتلطف في دعوته له تلطفًا عظيمًا، وناداه بنداءٍ يفيض رقةً وحنانًا.
يا أبت. يكررها أربع مرات. ومع كل هذا اللطف والأدب، فقد كان ردُّ الأب قاسيًا. وهدده بالرجم والهجران. {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}، فرد عليه بكل لطف وحنان: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ}، لن يأتيك مني ما يؤذيك، و{سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}.
ومضى إبراهيم عليه السلام في دعوته، يجادل قومه ويقيم عليهم الحجة بعد الحجة. يسألهم مستنكرا: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}، قالوا: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}، فيرد عليهم: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، ثم يناقشهم نقاشًا عقليًا مقنعًا، ويؤكد لهم إن هذه الأصنام لا تسمع من دعاها، ولا تنفع من رجاها، {قال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}، وذكّرهم إن أصنامهم إنما هي حجارةٌ نحتوها بأيديهم فكيف يصح إن تكون آلهة تعبد؟! {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
وقال لهم: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إن الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وبين لهم صفات المعبود الحق سبحانه، فقال لهم: {بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}.
كما ذكر لهم إن المعبودَ الحق هو الذي يخلق ويرزق، وهو الذي يُطعم ويسقي، وهو الذي يشفي من الأمراض، وهو الذي يُحيي ويميت، وهو الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة. فقال: {إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ إن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}.
وأعلن البراءة من أصنامهم، وجاهرهم بعداوتها وعداوة من يعبدها: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}.
ولم يزل يدعوهم إلى الله، ويجادلهم بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة. لكنهم ضلوا مُعرضين عن الحق، مُصرين على الباطل. فما كان منه إلا إن عمد إلى تلك الأصنام فحطمها؛ وجعلها {جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ}. لأنه إنما أرادَ إن يحطم قيمتها في قلوبهم، وأن يغير قناعاتهم نحوها.
حطم إبراهيم الاصنام كلها، وأبقى الكبير منها، وعلق الفأس على كتفه، ليُلقي التهمة عليه، فلما بلغهم الخبر وتساءلوا عن الفاعل لم يجدوا من يتهموه إلا إبراهيم، فأحضروه أمام الناس ليسمعوا اعترافه، وهذا ما كان يريده عليه السلام، وما خطط له؛ فإنه إنما أراد إن يقنعهم ويقيم الحجة عليهم أجمعين، فلما سألوه: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}، أحال الجواب على كبير الأصنام؛ {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إن كَانُوا يَنْطِقُونَ}. اسألوهم إن كانوا آلهةً كما تظنون، {فَرَجَعُوا إلى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ}، وعادوا إلى العناد والمكابرة. قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}. فحينئذ وبخهم على قلة عقولهم، {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، أين عقولكم، كيف تعبدون ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم، ولا يدفع عنكم ولا عن نفسه الأذى. فلما غلبهم بالحجة وقوة المنطق، لجئوا إلى استعمال القوة والبطش، {قالوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، وفي الآية الأخرى: {قالوا ابنوا له بنيانًا فألقوه في الجحيم}.
فإذا بالحطب يُكدّس أكوامًا. وإذا بالنار تؤجج أهوالًا. وإذا باللهب يرتفع عاليًا. حتى لم يستطيعوا الاقتراب منها. فربطوه، وقذفوه إليها من بعيد.
فقال وهو في تلك الحال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله للنار: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِين}. وخرج إبراهيم من النار سالمًا منتصرًا، فلما سمع به مَلِكهم الطاغية استدعاهُ وقال له ألك ربٌّ غيري. قال إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، قَالَ الطاغية، {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}، {قال إبراهيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إن رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم}.
معاشر المؤمنين الكرام: بعد تلك المعاناة الشديد، خرج إبراهيم عليه السلام من العراق متوجهًا إلى فلسطين، {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}. ولم تكن هجرته عليه السلام نهاية محنته، بل كانت بداية الاصطفاء والابتلاء. فبعد إن ثبت على التوحيد، وصبر على الأذى، ونجا من النار، ومن بطش النمرود، وهاجر في سبيل الله. اختاره الله لشرفٍ لم ينله بشرٌ غيره. اختاره ليرفع قواعد بيته المحرم. ويبني بيته العتيق. قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}. ومع تنفيذه لأمر الله فهو يدعو ربه بخشوع: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}. {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}. كأنما يقول: يا رب. إنما نبني البيت لإقامة توحيدك، وعبادتك وحدك.
ثم جاءه الأمر العجيب: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}. وأين الناس يومئذ؟. ومن الذي سيسمع النداء؟. لكنه أمر الله.
فأذّن إبراهيم: ونادى بندائه الخالد: أيها الناس: إن الله يأمركم إن تحجوا بيته فحجوا. فحمل الله صوته، وأسمعه من شاء من خلقه.
فكلُّ من لبّى وأتي. فإنما يُجيب نداء الله. ويلبي دعوة خليل الله.
وكل من طاف بالبيت العتيق وسعى بين الصفا والمروة فإنما يدور مع مراد الله، ويسعى لمرضاة الله.
وكل من وقف بعرفة والمشعر الحرام فإنما يتجرد لله، ويعلق قلبه بالله.
وكل من حلق رأسه ورمي الجمار فإنما يعلن الحرب على عدوه وعدو الله.
وكل من تقرب بأضحية فإنما يذبح هواه، ليرضي مولاه.
وكل من حج البيت أو اعتمر فإنما يجسد توحيد الله وإفراده بالعبادة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
تلك هي الْحَنِيفِيَّةُ التي اتَّصَفَ بها الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمْضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا يَدْعُو إِلَيْهَا، وَحَطَّمَ الْأَصْنَامَ لِإِقَامَتِهَا، وَنَاظَرَ الْمُشْرِكِينَ لِإِثْبَاتِهَا، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ بِسَبَبِهَا، وَفَارَقَ قَوْمَهُ لِأَجْلِهَا، وَهَاجَرَ لِلَّهِ تَعَالَى يَدْعُو إِلَيْهَا، وَكانت هِيَ أَكْثَرُ شَيْءٍ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيه بِهَا. وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْبَشَرَ مَا خُلِقُوا إِلَّا لِأَجْلِهَا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وَلَا خُلِقَتِ الْجَنَّةُ إِلَّا ثَوَابًا لِمَنْ قَامَ بِهَا، وَلَا خُلِقَتِ النَّارُ إِلَّا عِقَابًا لِمَنْ جحدها وأَعْرَضَ عَنْهَا.
إِنَّهَا الْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى دِينًا لِخَلْقِهِ، وهي الفِطرةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَشَرَ عَلَيْهَا، وَسَتَبْقَى بإذن الله ثابتةً إلى آخِرِ الزَّمَانِ، غُصةً في حلوق المشركين وعباد الأوثان، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
وقد كان رسولنا الكريم ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى يقول: "أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِخْلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، فَتَمَسَّكُوا يا عباد الله بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ملة أَبيكم إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمن تَبِعَهُ من سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ والمرسلين، وَالتي جَدَّدَهَا نَبِيُّكم أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ، عضوا عليها بالنواجذ، وَرَبُّوا عَلَيْهَا أَوْلَادَكُمْ؛ فَإِنَّ الْفَوْزَ الْأَكْبَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْقُودٌ بِهَا. {يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلبٍ سليم}.
فيا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.