مغتنم العشر بين محو الذنوب وحراسة القلوب

37
2 دقائق
9 ذو الحجة 1447 (26-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

مع إشراقِ الأيامِ العشرِ المباركةِ من ذي الحجة، تفتحُ السماءُ أبوابًا من الرحمةِ لطالما تطلّعت إليها أرواحُ المخبتين؛ فهي أيامُ الدنيا الفاضلة التي انعقدَ الإجماعُ على جلالةِ قدرِها، والشرائعُ لا تعظّمُ إلا عظيمًا.

وإنّ من ألطفِ ما تفتقده القلوبُ في زحامِ الحياة، غفلتَها عن سرِّ المبادرةِ وعظيمِ المغفرة؛ فحين يقفُ المرءُ متأملًا في جوامعِ الكلمِ النبوي، يستوقفه ذلك المحوُ الإلهي العجيب الذي قرنَ فيه المصطفى الحجَّ بالهجرةِ والإسلام، فأعطى الحجَّ - وهوعبادةٌ تتقادمُ وتتكرر- قوةَ الهدمِ الكلي التي جعلها للإسلام والهجرة؛ ليجعلَ من الطوافِ والسعيِ والموقفِ ميلادًا جديدًا يَهدمُ ما قبله من ركامِ الذنوب، فتنخلعُ النفسُ من آثامِها كوليدٍ لم يمسسه كَدَرُ الحياةِ بعد، لتتأكدَ الحقيقةُ بأنّ فضلَ اللهِ واسع، لكنه ينتظرُ من العبدِ خطوةَ الإقبال.

ومِن صورِ الإقبالِ الصادق إن يسابقَ المرءُ بآياتِ النُّسُكِ في يومِ النحر، حيث يتساهلُ البعضُ فيرجئون ذبحَ أضاحيهم إلى الأيامِ التالية تفاديًا للمشقة؛ ورغم سعةِ الشريعةِ وجوازِ الذبح في أيام التشريق، إلا إن شمسَ يومِ العيدِ ما إن ترتفعُ ويفرغُ المسلمون من صلاتهم حتى تنادي المرءَ ألّا يستثقلَ العبادة؛ فالذبحُ في هذا اليومِ المبارك-الذي هو تاجُ الأيامِ العشرِ وخاتمتُها المفضلة- له مزيةٌ وفضلٌ لا يدركه من أخّره.

ومَن غربت عليه شمسُ يومِ العيدِ دون إن ينحر، فقد أخرجَ نسيكتَهُ من قلبِ تلك المدةِ الفاضلة، وفاته حظٌّ من السبقِ والمبادرةِ لا يُعوّض.

على إن هذا السبقَ ومسارعةَ الأبدانِ إلى محاريبِ الطاعةِ بصيامٍ أو ذكر، تظلُّ قاصرةً ما لم يسندها كفُّ الجوارحِ عن المعاصي والآثام؛ فطالما تحدثَ الناسُ عن صنائعِ البرِّ ونسوا إن تركَ الخطيئةِ هو رأسُ النُّسُكِ وعمودُه، وكما أُثِرَ عن السلفِ بأنّ «الطاعةَ يقْدرُ عليها البرُّ والفاجر، أما كفُّ النفسِ عن الهوى فلا يقوى عليه إلا الصدّيقون».

وإنّ الخوفَ كلَّ الخوفِ من تلك الغفلةِ المطبقة التي تجعلُ المرءُ يجترحُ السيئاتِ وهو يحسبُ أنه يُحسنُ صنعًا، حتى تكادُ تجزمُ الضمائرُ الحية بأنّ جلَّ خطايا الناسِ اليوم تنبعُ من عدمِ اعترافهم بأنها خطايا أصلًا، ولم تمر بساحةِ فكرهم يومًا. فالنفسُ الإنسانيةُ بحاجةٍ إلى وقفةٍ حازمةٍ مع أولى نفحاتِ هذه العشر، تبدأُ أولًا بحراسةِ الحسناتِ من الهدم؛ فما سَلِمَت حسناتُ عبدٍ ولا نمت، حتى يَسلَم أولًا من مقارفةِ الذنوب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق