بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
قال الله تعالى: {إن هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ}.
الفتنة بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان.
وقد تكون قدرا كونيا كالزلزل والعواصف والكوارث، والأوبئة، وقد تأتي قدرا شرعيا كالشبهة، والغلو، والتأويل الفاسد وغير ذلك.
فالقدر الكوني واقع بأمر الله فيكون فيه أجرا عظيما للمؤمنين بالصبر والاحتساب.
وأما القدر الشرعي فيسلك العبد فيه مسلك المدافعة، بالدعاء، وطلب الحق، وفعل الصالحات.
فقد ورد في الحديث: "لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ" حديث حسن.
وقول الله سبحانه وتعالى: {وتهدي بها من تشاء}.
إن الفتنة عند أهل الحق والعلم واضحة جلية بتجلية الله لهم ذلك بما وقر في قلوبهم من العلم، وصلاح العمل، تزيدهم ثباتا ويقينا بأمر الله، كما في فتنة المسيح الدجال فرغم حدوث شيء من الخوارق فيها، إلا أنه ثبت أمامها أقوام بتثبيت الله لهم، وهذه منزلة عظيمة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من الإيمان والعلم، والاتباع، والإخلاص.
وقد ترد الفتنة في الخير كما ترد في الشر، وهي أشد وأعظم على المؤمن، فالشر قد يدركه التقي العاقل فيتقيه، أما الخير فقد ينغمس ويستسهل الأمر في حضوره فيلج العبد باب الفتنة دون علم وإداراك منه.
قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.
قال ابن عباس، قوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة.
والفتنة وارد عظيم على القلب، إن قبلها كاد الباب يفتح، وإن مانع وجاهد واعتصم أدركه المدد من الله، وحصل له عظيم الأجر، وجزيل الثواب.
قال صلى الله عليه وسلم: "تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشربَها نكتَتْ فيه نكتةٌ سوداءُ فيصيرُ أسودَ مربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا ينكرُ إلا ما أُشرِبَ من هَواه" حديث صحيح.
وما عالج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شيئا في أقوامهم أشد من الفتنة فأعظمها الشرك، ولا حد لأقلها.
وقد تأتي الفتنة في النفس، والمال، والولد، والزوجة، والقدوة، وأشدها الفتنة في الدين، فقد تأتي من باب البدعة، أو التأويل الفاسد، أو الحسد، أو الكبر، أو الجهل، أو التقليد الباطل.
وكل ذلك عالجته العقيدة الإسلامية في نصوص الوحي، حتى لا يبقى لمفتون ذريعة.
ومن أجل ما تعالج به الفتنة فعل موسى عليه الصلاة والسلام: {أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)} الأعراف.
وفيه إقرار بولاية الله سبحانه وتعالى، وأنه الولي النصير على أهل الفتن والأهواء، وأن الاستغفار عاصم من قاصمة الفتن، ومنجيا من جرف الأنهيار فيها، وسؤال الله بإلحاح وإخلاص الثبات في الدنيا، معينا بإذن الله على النجاة منها في الدنيا، والفوز في الآخرة.
فالدعاء للمؤمن تجارة رابحة تحملها رواحل الأيام تغذ بها السير إلى الآخرة، وهناك تناخ المطايا، وتحمل العطايا، وينادى على أهل الربح فالجوائز سنية، والهبة إلهية، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، مساكنهم جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
مقال قصير مفيد جداً جزاكم الله خير الحزاء