الجميلون الثلاثة في العلائقية

277
3 دقائق
9 ذو الحجة 1447 (26-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

عانت المجتمعات على طول المشوار الإنساني من أزمات، فمثلا، رجل الإقتصاد الأمريكي (جون موريس كلارك) وهو أحد زعماء الإقتصاد في أمريكا، كان يعتقد إن الأزمة التي يعاني منها المجتمع هي أزمة إقتصادية، وأما عالم النفس الألماني الفيلسوف (أريك فروم) وهو عالم في التحليل النفسي، كان يرى إن الأزمة التي يعاني منها المجتمع هي أزمة إجتماعية، بينما الفيلسوف الفرنسي الكاثوليكي (جاك ماريتان) وهو أحد زعماء الدعوة إلى البروتستنتية، ذهب يقول إلى إن الأزمة التي يعاني منها المجتمع هي أزمة عقائدية "أزمة دينية"، فيم عارضه الروائي والفيلسوف الفرنسي الملحد (جان بول سارتر) وهو زعيم الفلسفة الوجودية في فرنسا، وأوضح إن الأزمة التي يعاني منها المجتمع هي أزمة معرفيّة وليست دينية، وأمّا عن عالم المنطق والفيلسوف الملحد البريطاني الشرس (بيرناند راسيل) وهو مؤسس الفلسفة التحليلية، كان يرتئي إن الأزمة التي يعاني منها المجتمع هي أزمة فكرية.

كل منهم ذهب إلى إتجاه يدعو من خلاله إلى إنسانية جديدة.

أما أنا، إذا أردت إن أتحدث عن أزمة العصر، فنحن نعاني بلا شك من أزمة أخلاقية! نحن في محطة إنسانية تاريخية صعبة وخطرة، إنني أعتقد مليّا إن مصيبة الإنسان في القرن 21 هي أخلاقية، بل إنه لم يعرف تاريخ الحضارة في خط سيرهِ أزمةً بشرية مثل تلك التي يواجهها الإنسان اليوم والآن في القرن 21 من شظفٍ في الأخلاق! ! في الشارع، في العمل، في الجامعات، في البيت، في المدرسة، حتى بلغ الأمر مُنتهاه إلى نسب ونشتم ونضرب بعضنا في المساجد! ! ! ؟ ؟ ؟

إن المفكرون لا ينفقون أوقاتهم عبثًا، والظروف المحيطة بنا تحثّنا على البحث في طبيعة الأزمة، وعن الوسائل التي تساعدنا في الخلاص منها.

كل مفكر أو عالم أو فيلسوف له عقيدته التي يرى من خلالها أنها تؤدي إلى العالم الأمثل والأجمل، وكانت هناك قديمًا محاولات للبعض، ومنها مُقترح الفيلسوف المثالي (أفلاطون) في إنشاء "المدينة الفاضلة"، ولكنها باءت بالفشل، فنحن لسنا في الجنّة يا أفلاطون، وإنما في الدنيا، ونصطدم فيها يوميًّا بشياطين من البشر، ونُكوى بجحيمهم فيها، وقد لخّص الممثل الأمريكي الشهير (آل باتشينو) شدّة الإنحطاط الأخلاقي الذي نعاني منه في هذا الزمن برسالة جميلة ومعبّرة وجهّها إلى إبليس وخاطبهُ فيها: "لا تقلق يا إبليس، فالأمور هنا تسير على النحو الذي تريده، بحيث أصبح الناس أكثر سوء منك".

إذا أردت إن تختبر أحدهم في هذا العصر الفارغ من أي قيمة فاضلة، أو عند وقوع مشاحنة بينك وبين قريب أو صديق أو زميل ستشاهد السّفول الأخلاقي بأبشع صوره، فلا زلت أذكر في ليلة 27 من رمضان عام 2024 عندما قامت بعض العائلات بصغارها وكبارها وشبابها بدهس بعضهم البعض، وإطلاق الرصاص على بعضهم البعض من أجل ركنة للمركبة! حيث قام شاب من العائلة الأولى بركن مركبته مكان شاب آخر من العائلة الأخيرة، وكانت النتيجة إندلاع حرب عالميّة ثالثة! !

وأنا أتساءل: هل نحن مسلمون! ؟ هل عرفنا الله حقا؟ هل هذا هو المسلم الذي يريده الله؟! هل هذا فعلا ما أمر به الله! ؟ ألم يقل الله تعالى لنبيه محمد صلوات ربي وسلامه عليه: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأية رقم 102 من سورة الأنبياء) ألم يقل له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (الأية رقم 159 من سورة آل عمران) إنني هنا أحاول إن أقدم رؤية جديدة في العلائقية، لعل وعسى إن نخرج بإنسانية جديدة بأبهى صورها.

نحن نحاول بكل ما أتانا الله من علم وحكمة إن تنبت تلك الوردة في حديقة الشيطان، إن تخرج تلك الزهرة من رحم فوضى هذا الدمار، إن نعيد بناء الإنسان على أنقاض ذلك الحيوان، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إن أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إن ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الأية رقم 13 من سورة الحجرات).

أثناء حديث الله معي وأنا أتلو آياته وكلماته، وإذا بي أمر على الجميلون الثلاثة، هكذا عنونتهم "الجميلون الثلاثة في العلائقية" وهم "الصبر، الصفح، الهجر"، ففيها جمال الإنسان ومعناه، وهذه القيم الثلاثة لا يعمل بها الا الجميلون.

في النهاية:

عند نشوب سجال بينك وبين أي إنسان على وجه الأرض، إستحضر القيمة الأولى ألا وهي الصبر، قال تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلً} (الأية رقم 5 من سورة المعارج)، فإذا جاء الآخر معتذرًا، إستحضر القيمة الثانية، ألا وهي الصفح، قال تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (الأية رقم 85 من سورة الحجر)، فإن لم يعتذر، ويرغب في بتر هذه العلاقة والصداقة، إستحضر القيمة الثالثة، ألا وهي الهجر، قال تعالى: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا} (الأية رقم 10 من سورة المزمل).

وهذا ليس ضعفًا، فلقد قال ربي حبيبي جل في علاه: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (الأية رقم 237 من سورة البقرة) وقال سبحانه في موضع آخر: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} (الأية رقم 134 من سورة آل عمران).

وتذكر دائمًا يا عزيزي إن الإنسان هو محبوب الرحمن، وأنه أغلى ما نملك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق