مرافئ الخلود 1

72
2 دقائق
9 ذو الحجة 1447 (26-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

لا تبلغ الآيات ذروة التأثير في النفس البشرية، إلا حين نتأمل هذا التقابل المهول الذي صنعه السياق القرآني في سورة (ق)؛ فالتاريخ المصيري للإنسان يحسم بين "مزيدين" لا ثالث لهما. مزيد تجأر به جهنم حين يقال لها هل امتلأت فتقول سعيرًا وغيظًا: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، ومزيد يتفضل به الرحمن على أوليائه حين تقر أعينهم برؤية وجهه المجيد: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ.

وبين زلزلة المزيد الأول وأمان المزيد الثاني، تنفتح بوابة الرحمة الربانية لتستقبل الوافدين؛ إذ تتجلى رحمة الرحمن في أبهى صورها حين تساق الجنة وتقرب إلى أهل التقوى، في مشهد يفيض بالتكريم والحفاوة الربانية؛ لتعلم العوالم إن العاكفين على طاعة الله في الدنيا هم أهل الفوز الحقيقي يوم العرض.

وهو الفوز الذي جسده التعبير الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ليسكب الطمأنينة في نفوس الصادقين، معلنًا إن زمن المشقة قد طوي، وأن جوار الكريم بات قاب قوسين أو أدنى.

إن هذا القرب الاستثنائي يمنح العبد دافعًا عميقًا لتحقيق مقام التقوى في خلوات السر وجلوات العلن، ويستنهض همته لاستحضار ظلال المقعد المقرب عند مجاهدة النفس على مشاق الطاعة، فتنفر روحه تلقائيًا من المعاصي والآثام التي تضع العراقيل في درب الوصول.

ولأجل هذا الشوق، ترى المؤمن يترجم يقينه بإقامة الصلوات المفروضة في مواقيتها بخشوع وتبتل، ويجعل لنفسه خبيئة من صوالح الأعمال كركعات في جوف الليل، أو صدقة تطفئ غضب الرب لا يعلمها إلا هو، مع اللهج الدائم بالدعاء في أعقاب المكتوبات إن يجعله الله من أهل هذا الإزلاف.

ومن هنا يتبين إن الجنة ليست أمنية مشاعة، بل هي جائزة محجوزة لمن جمع بين صفتين مجيدتين كما في قوله سبحانه: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾؛ فالأوَّاب هو كثير الرجوع والإنابة كلما نفحته سموم الخطايا، والحفيظ هو الحارس اليقظ لحدود الله، الذي ضبط جوارحه على ميزان الشرع، ليصلح الأول ما فسد بالتوبة، ويحمي الثاني ما صلح بالمراقبة.

وحين يعلم السائر إلى الله شروط هذا الوعد، تتحرك في صدره عزيمة المبادرة بالاستغفار عقب كل زلة دون تسويف، ويعلن الحراسة المشددة على منافذ نفسه وجوارحه ثباتًا على نهج الهداية، فيعقد مع نفسه مجلسًا يوميًا للمحاسبة، ويلجم لسانه عن فضول الكلام، ويكف بصره عن الحرام، معتصمًا بالأوراد والأذكار التي تكون له حصنًا حصينًا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق