بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
تبلغ العبادة ذروتها في نفوس السائرين إلى الله حين يقترن اسم الرحمن بالخشية في مقام الغيب، كما رسمت الآية الكريمة في سورة (ق): ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾؛ حيث ترتقي الروح لتخاف الله لا سطوة، بل حياءً من رحمته وإحسانه حين يغيب نظر المخلوقين، وتلك الخشية الخفية تثمر أعظم رأس مال يقدم به العبد على ربه، وهو القلب المنيب الذي انكسرت شهواته، وأقبل على مولاه مستسلمًا محبًا.
هذا المقام الشريف يدعو لترسيخ المراقبة الذاتية عندما تغلق الأبواب وترخى الستور، ويقود إلى السعي الحثيث في تربية أعمال القلوب ليكبح جماح النفس عن المعصية حين تتوفر دواعيها في الخلوة إجلالًا لله، مكثرًا من التضرع بالدعاء إن يثبت الله قلبه على دينه، مع تخصيص طاعات سرية لا يعلم بها أقرب الناس إليه لتسلم سريرته.
وما أجمله من نداء تتلاشى عنده كل زفرات الدنيا وآلامها حين يقال لهؤلاء الأخفياء: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾، حيث يتلقى المؤمنون تأشيرة الدخول الأبدي بأمان مطلق من كل خوف، وسلام من كل كدر، في إعلان رباني لزوال المؤقت وبدء الخالد، ليدرك العبد إن كل مرارة تجرعها في طريق الاستقامة لم تكن إلا ثمنًا بخسًا لهذا النعيم الدائم.
وهذا النداء الرخيم يتنزّل على النفس فيسكب فيها الصبر الجميل أمام ابتلاءات الدنيا ترقبًا لراحة الآخرة، ويجعل المرء ينظر إلى زينة الأرض بعين الزهد فلا يأسى على ما فاته، بل يهون المصائب بتذكر إن الملتقى الجنة، ويراغم الهوى كلما تكاسلت نفسه عن الطاعة مذكرًا إياها بأنه يوم الخلود.
وفي نهاية هذا المطاف القدسي، تسقط الحدود وتتسامى الأمنيات عند قوله الرحيم: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾؛ ففي الجنة يصبح المجرد من المشيئة هو سبب النعيم، فما خطر بالبال وجدوه رأي العين بلا كد ولا نقص، ثم تأتي الذروة التي تطير لها القلوب شوقًا في لفظة "المزيد"، التي هي النظر إلى وجه الله الكريم، الغاية الأسمى لكل محبة صادقة.
إن هذا الوعد العظيم يشعل في الفؤاد جذوة الشوق للقاء الله، ويحدث فيه فطامًا نفسيًا عن التعلق الأعمى بشهوات الأرض الفانية، موقنًا إن خزائن الله ملأى، فلا يرضى لنفسه إلا بأعلى المنازل، مفتقرًا إلى مولاه بأن يرزقه الفردوس الأعلى ولذة النظر إلى وجهه المجيد، مقدمًا رضاه دائمًا على هوى النفس العاجل طمعًا في هذا المزيد.