بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
يقول تعالى في سورة النازعات:
{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} (14).
{يَوْمَ تَرْجُفُ} الرجف: الاضطراب والاهتزاز {الرَّاجِفَةُ} هي النفخة الأولى، ترجف الناس ويفزعون ثم يموتون عن آخرهم إلا من شاء الله.
{تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} التالية، يقال: ردف بمعنى تبع، والرديف: التابع لغيره، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9].
وهي النفخة الثانية. يبعثون من قبورهم، فيقوم الناس من قبورهم مرة واحدة، قال الله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: ١٣-١٤].
قال الحسن: هما النفختان: أما الأولى فتميت الأحياء، وأما الثانية فتحيي الموتى، ثم تلا الحسن: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68].
وفي سنن الترمذي عَنْ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ"، قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "مَا شِئْتَ". قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: "مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: "إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ": [هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ]. ومعنى الصلاة في هذا الحديث أي الدعاء، والمعنى فكم أجعل لك من دُعائي صلاةً عليك.
قال ابن عاشور: يجوز إن يكون إسناد {تَرْجُفُ} إلى {الرَّاجِفَةُ} حقيقيا، فالمراد ب {الرَّاجِفَةُ}: الأرض لأنها تضطرب وتهتز بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى العالم الأخروي قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ} [المزمل: 14] وقال {إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا} [الواقعة: 4]، وتأنيث {الرَّاجِفَةُ} لأنها الأرض، وحينئذ فمعنى {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} إن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة لأن صفة {الرَّاجِفَةُ} تقتضي وقوع رجفة، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة الأولى.
ويجوز إن يكون إسناد {تَرْجُفُ} إلى {الرَّاجِفَةُ} مجازا عقليا، أطلق {الرَّاجِفَةُ} على سبب الرجف. فالمراد ب {الرَّاجِفَةُ}: الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي الراجفة مبالغة كقولهم: عيشة راضية، وهذا هو المناسب لقوله: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} أي تتبع تلك الراجفة، أي مسببة الرجف رادفة، أي واقعة بعدها.
أي تتبع الرجفة الأولى ثانية، فالمراد: رادفة من جنسها وهما النفختان.
{قُلُوبٌ} للتكثير، أي قلوب كثيرة {يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} مضطربة من الخوف، خائفة أشد الخوف من عظيم الهول النازل.
وهذه قلوب الكفار والمشركين الذين كانوا يجحدون البعث فإنهم إذا قاموا فعلموا إن ما وعدهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به حق توقعوا ما كان يحذرهم منه من عقاب إنكار البعث والشرك وغير ذلك من أحوالهم.
فأما قلوب المؤمنين فإن فيها اطمئنانا متفاوتا بحسب تفاوتهم في التقوى.
والخوف يومئذ وإن كان لا يخلو منه أحد إلا إن أشده خوف الذين يوقنون بسوء المصير، ويعلمون أنهم كانوا ضالين في الحياة الدنيا.
{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} ذليلة، مما قد علاها من الكآبة والحزن، من الخوف والرعب من هول الموقف وشدته. لا تكاد تحدق أو تنظر بقوة ولكنه قد غضت أبصارهم -والعياذ بالله- لذلهم قال الله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] أي: ينظرون إلى النار مِن طرْف ذليل ضعيف من الخوف والهوان.
والخشوع حقيقته: الخضوع والتذلل، وهو هيئة للإنسان، ووصف الأبصار به مجاز في الانخفاض والنظر من طرف خفي من شدة الهلع والخوف من فظيع ما تشاهده من سوء المعاملة، كما قال تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} [القمر: 7].
{يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ} وكانت عادة المشركين إن يلقوا الكلام الذي ينكرون فيه البعث بأسلوب الاستفهام إظهارا لأنفسهم في مظهر المتردد السائل لقصد التهكم والتعجب من الأمر المستفهم عنه. والمقصود: التكذيب لزعمهم إن حجة استحالة البعث ناهضة.
{فِي الْحَافِرَةِ} يقول المشركون إنكارًا للبعث: أإنا لمبعوثون بعد إن صرنا إلى الحافرة وهي القبور؟! .
وقال آخرون: الحافرة: الحياة. أي: أنردُّ إلى الحياة بعد الموت، وبعد إن كنا عظامًا نخرة أي: بالية؟. والحافرة اسم لأول الأمر، ومنه رجع فلان حافرته والحافرة إذا رجع من حيث جاء. كأن محياه الأول حفر طريقه بمشيه فيها، وعليه لا علاقة له بحفرة القبر.
وقد دلت الآية بعدها إلى إن المراد بالحافرة العودة إلى الحياة مرة أخرى في قوله: {قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} والكرة: هي العودة إلى الحياة الأولى وهي ما قبل حفرة القبر من تكرار الحياة السابقة والله تعالى أعلم.
قال ابن جرير: أي: يقول هؤلاء المكذبون بالبعث من مشركي قريش - إذا قيل لهم: إنكم مبعوثون من بعد الموت-: أئنا لمردودون إلى حالنا الأولى قبل الممات، فراجعون أحياءً كما كنا؟
وقال أبو السعود: *حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به، إثر بيان وقوعه بطريق التوكيد القسمي، وذكر مقدماته الهائلة وما يعرض عند وقوعها للقلوب والأبصار.
أي: يقولون -إذا قيل لهم: إنكم تبعثون منكرين له متعجبين منه-: أئنا لمردودون بعد موتنا في الحافرة؟ أي: في الحالة الأولى. يعنون الحياة، من قولهم: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقته التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه*.
{أَإِذَا} استفهام إنكاري مؤكد للاستفهام الأول للدلالة على إن هذه الحالة جديرة بزيادة إنكار الإرجاع إلى الحياة بعد الموت، فهما إنكاران لإظهار شدة إحالته.
{كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} بالية. وقرئ: {ناخرة}، من: نخر العظم، بلي، فصار يمرّ به الريح فيسمع له نخير. ونخرة الريح شدة صوتها، ومنه المنخر لأخذ الهواء منه.
{قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ} الكرة: الواحدة من الكر، وهو الرجوع بعد الذهاب، أي رجعة.
{خَاسِرَةٌ} أي: إن صحت -من باب الفرض والتقدير- وأحيانا الله بعد الموت لسوف نكون في خسارة محققة. قصدوا منه الاستهزاء لأنهم لا يؤمنون بتلك الكرة.
قال ابن زيد: وأيُّ كرة أخسر منها؟ أحيوا ثم صاروا إلى النار، فكانت كرة سوء.
** وعبر عن قولهم هذا بصيغة الماضي دون المضارع على عكس {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} لأن هذه المقالة قالوها استهزاء فليست مما يتكرر منهم بخلاف قولهم {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} فإنه حجة ناهضة في زعمهم، فهذا مما يتكرر منهم في كل مقام.
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أجابهم الله على استبعادهم للحياة بعد الموت بأن بعث العباد كلهم من القبور لا يتطلب سوى صيحة واحدة، لا مثنوية فيها ولا تأكيد، وهي نفخة البعث. قال تعالى: {إن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53] فلا تستصعبوها فإنما هي صيحة واحدة. وفيه تهوين لأمر الإعادة على وجه بليغ لطيف.
** والفاء فصيحة. فتقدير الكلام: فلا عجب في ذلك فما هي إلا زجرة واحدة فإذا أنتم حاضرون في الحشر.
والزجرة المرة من الزجر، وهو الكلام الذي فيه أمر أو نهي في حالة غضب. يقال: زجر البعير، إذا صاح له لينهض أو يسير، وعبر بها هنا عن أمر الله بتكوين أجساد الناس الأموات تصويرا لما فيه من معنى التسخير لتعجيل التكون. وفيه مناسبة لإحياء ما كان هامدا كما يبعث البعير البارك بزجرة ينهض بها سريعا خوفا من زاجره.
قال إبراهيم التيمي: *أشد ما يكون الرب غَضَبًا على خلقه يوم يبعثهم*.
{فَإِذَا} الفاء للتفريع، على جملة {إِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} و{إذا} للمفاجأة، أي الحصول دون تأخير فحصل تأكيد معنى التفريع الذي أفادته الفاء وذلك يفيد عدم الترتب بين الزجرة والحصول في الساهرة. لأن الجمع بين المفاجأة والتفريع أشد ما يعبر به عن السرعة مع إيجاز اللفظ.
{هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} فإذا جميع الخلق حاضرون على الأرض لا يتخلف منهم أحد فالساهرة هي: «أرض المحشر».
وأصل الساهرة: الأرض المستوية البيضاء التي لا نبات فيها، يختار مثلها لاجتماع الجموع ووضع المغانم. وأريد بها أرض يجعلها الله لجمع الناس للحشر.
قال ابن جرير: والعرب تسمي الفَلاة ووجه الأرض ساهرة، قال: وأراهم سموا ذلك بها لأن فيه نوم الحيوان وسهرها؛ فوصف بصفة ما فيه.
وفي صحيح ابن حبان عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ".
وعن سهل بن سعد الساعدي: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} قال: *أرض بيضاء عفراء خالية كالخُبزَة النَّقِيّ*.
وقيل: وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يَهرَاق عليها دم.
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى إن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} (26).
هذه الآية اعتراض بين جملة {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} وبين جملة {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا} [النازعات: 27] الذي هو الحجة على إثبات البعث ثم الإنذار بما بعده.
دعت إلى استطراده مناسبة التهديد لمنكري ما أخبرهم به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البعث لتماثل حال المشركين في طغيانهم على الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحال فرعون وقومه، وتماثل حال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قومه بحال موسى عليه السلام مع فرعون، ليحصل من ذكر قصة موسى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وموعظة للمشركين وأئمتهم مثل أبي جهل وأمية بن خلف وأضرابهما لقوله في آخرها: {إن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}.
{هَلْ أَتَاكَ} بلغك {حَدِيثُ} خبر {مُوسَى} خبره حين ناجاه ربُّه تعالى.
قال أبو السعود: ومعنى {هَلْ أتَاكَ} إن اعتُبر هذا أولُ ما أتاه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من حديثه عليه السلام، ترغيب له في استماع حديثه، كأنه قيل: هل أتاك حديثه؟ أنا أخبرك به.
وإن اعتُبر إتيانه قبل هذا، وهو المتبادر من الإيجاز في الاقتصاص، حمله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على إن يقرّ بأمر يعرفه قبل ذلك، كأنه قيل: أليس قد أتاك حديثه؟
وقال ابن عاشور: {هَلْ أتَاكَ} استفهام صوري يقصد من أمثاله تشويق السامع إلى الخير من غير قصد إلى استعلام المخاطب عن سابق علمه بذلك الخبر، فسواء في ذلك علمه من قبل أو لم يعلمه، ولذلك لا ينتظر المتكلم بهذا الاستفهام جوابا عنه من المسئول بل يعقب الاستفهام بتفصيل ما أوهم الاستفهام عنه بهذا الاستفهام كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يتساءل الناس عن علمه.
ولذلك لا تستعمل العرب في مثله من حروف الاستفهام غير {هل} لأنها تدل على طلب تحقيق المستفهم عنه، فهي في الاستفهام مثل *قد* في الإخبار، والاستفهام معها حاصل بتقدير همزة استفهام، فالمستفهم بها يستفهم عن تحقيق الأمر، ومن قبيله قولهم في الاستفهام: *أليس قد علمت كذا* فيأتون ب *قد* مع فعل النفي المقترن باستفهام إنكار من غير إن يكون علم المخاطب محققا عند المتكلم.
والخطاب لغير معين فالكلام موعظة ويتبعه تسلية الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال الشهاب: المقصود من الاستفهام التذكير لا التقرير، كما قيل.
ولا مجافاة في المعنى على كلٍّ، كما لا يخفى.
{إِذْ} اسم زمان. أي: زمان {نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ} المكان المنخفض بين الجبال.
{الْمُقَدَّسِ} المطهر المبارك، والمراد به التطهير المعنوي، وهو التشريف والتبريك لأجل ما نزل فيه من كلام الله دون توسط ملك يبلغ الكلام إلى موسى عليه السلام، وذلك تقديس خاص، ولذلك قال الله له في الآية الأخرى {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ} [طه: 12].
{طُوًى} اسم الوادي، وهو وادٍ في أسفل جبل طور سَيناء من برِّية سيناء في جانبه الغربي.
{اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ} بيان لجملة {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ} {إِنَّهُ طَغَى} تعليل للأمر، ولذلك افتتحت بحرف (إن) الذي هو للاهتمام ويفيد مفاد التعليل. أي: عَتا وتجاوز حدَّه في العدوانِ على بني إسرائيل، وانتحالِ صفات الربوبية، ونسبتها إلى نفسه.
{فَقُلْ هَلْ لَكَ} تركيب يقصد منه العرض، واستفهام للتشويق.
{إلى إن تَزَكَّى} تتزكى وتتطهر من دنس الشرك والطغيان. أي: هل لك إن تجيب إلى طريق ومسلك تحصل به زكاتك وطهارتك وهي طريق الإيمان بالرسالة وتصديقها.
{وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ} أدلك إلى عبادة ربك فتخشاه وتخضع له فتأتمر بأمره وتنزجر بزجره. وأرشدك إلى علم يُرضيه عنك، وذلك الدين القيم.
وذكر له الإله الحق بوصف {رَبِّكَ} دون إن يذكر اسم الله العلم أو غيره من طرق التعريف إلطافا في الدعوة إلى التوحيد وتجنبا لاستطارة نفسه نفورا، لأنه لا يعرف في لغة فرعون اسم الله تعالى، ولو عرفه له باسمه في لغة إسرائيل لنفر لأن فرعون كان يعبد آلهة باطلة، فكان في قوله: {إلى رَبِّكَ} وفرعون يعلم إن له ربا إطماع له إن يرشده موسى إلى ما لا ينافي عقائده فيصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخله الإيمان الحق مدرجا، ففي هذا الأسلوب استنزال لطائره.
{فَتَخْشَى} عقابه من سلب الملك وإذاقة البأس مكان النعم، وذلك بأداء ما ألزمك من فرائضه واجتناب ما نهاك عنه من معاصيه. وفيه إشارة إلى إن الخشية مسبِّبة عن العلم والمعرفة، فالفاء للتفريع على {أَهْدِيَكَ}، كما في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] أي: العلماء به، يخشونه خشية كاملة لا خطأ فيها ولا تقصير.
وفي الاقتصار على ذكر الخشية إيجاز بليغ لأن الخشية ملاك كل خير. وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلَا إن سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إن سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ" [صحيح] الإدلاج: مخففا: السير في أول الليل، ومشددا السير في آخر الليل، والمراد هنا الأول.
قال الزمخشريّ: ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر؛ مَن خشي اللهَ أتى منه كل خير، ومن أمِن اجترَأ على كلِّ شر. وبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك إن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرفيق؛ ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عُتوِّه. كما أمر بذلك في قوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} [طه: 44]، انتهى
{فَأَرَاهُ الْآيَةَ} الآية: حقيقتها العلامة والأمارة، وتطلق على الحجة المثبتة لأنها علامة على ثبوت الحق، وتطلق على معجزة الرسول لأنها دليل على صدق الرسول وهو المراد هنا.
{الْكُبْرَى} الدلالة الكبرى على أنه لله رسولٌ أرسله إليه. والفاء فصيحة تفصح عن جُمَل قد طويت، تعويلًا على تفصيلها في السور الأخرى، أي: فذهب وبلّغ ورجع وتحدَّى فأراه الآية الكبرى، وهو على ما قاله مجاهد: عصاهُ ويَدهُ، أي: عَصاه إذ تحولت ثعبانًا مبينًا، وبكونه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء أي من غير عيب، أي: بيضاء بياضًا ليس بياض البرص ولكنه بياض جعله الله آية؛ وإفرادهما لأنهما كالآية الواحدة في الدلالة، أو هي العصا لأنها كانت المقدمة والأصل. والبقية كالتبع. وقيل: وكونها كبرى باعتبار معجزات من قبله من الرسل، أو هو للزيادة المطلقة.
{فَكَذَّبَ} الخبر {وَعَصَى} الأمر. أي: فكذب فرعون موسى فيما أتاه من الآيات المعجزة، ودعاها سحرًا، وعصاه فيما أمره به من طاعة ربِّه وخشيته إياه وإرسال بني إسرائيل، ويطلقهم من استعبادهم وتسخيرهم للخدمة في بلاده.
والفاء للتعقيب للدلالة على شدة عناده ومكابرته حتى أنه رأى الآية فلم يتردد ولم يتمهل حتى ينظر في الدلالة بل بادر إلى التكذيب والعصيان.
وحاصلُه أنه كَفَر قلبُه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمُهُ بأن ما جاء به أنه حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علمُ القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له.
{ثُمَّ} للدلالة على التراخي الرتبي، وأن مضمون الجملة المعطوف بها أعلى رتبة في الغرض الذي تضمنته الجملة قبلها، أي أنه ارتقى من التكذيب والعصيان إلى ما هو أشد وهو الإدبار والسعي وادعاء الإلهية لنفسه.
{أَدْبَرَ} أعرض عما هدي إليه، أو انصرف عن المجلس كِبرًا وتولى مدبرًا.
{يَسْعَى} يجدّ في معارضة الآية بالمكايد الشيطانية والحيَل النفسانية.
{فَحَشَرَ} جمع السحرة، أو قومه وأتباعه، لأن فرعون بذل حرصه ليقنع رعيته بأنه الرب الأعلى خشية شيوع دعوة موسى لعبادة الرب الحق.
{فَنَادَى} في المجمع بنفسه أو بمنادٍ.
{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ} صيغة الحصر لرد دعوة موسى {الْأَعْلَى} أنا ربكم وربُّ أصنامكم الأعلى ولا أحد فوقي فلا تتركوا عبادتها.
والقول الذي نادى به هو تذكير قومه بمعتقدهم فيه فإنهم كانوا يعتبرون ملك مصر إلها لأن الكهنة يخبرونهم بأنه ابن (آمون رع) الذي يجعلونه إلها ومظهره الشمس.
قال القاضي: وقد كان الأليق به، بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حيَّةً، إن لا يقول هذا القول؛ لأن عند ظهور الذلة والعجز كيف يليق إن يقول {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}؟ فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول. انتهى.
وهذا على أنه أراد بالربِّ الخالق والموجد، والظاهر إن مراده ذو السلطان الأعلى والنفوذ الأقوى، وأنه الذي يستأهل الطاعة دون غيره. ولا يخفى ما فيه من جحود قدرة الله تعالى التي هي فوق قدرته، والكفر بآية موسى والصد عن دعوته؛ ولذا أُخذ أشد الأخذ، فإنه لم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر، عند خروجهم من مصر، فأغرقه الله تعالى في البحر.
{فَأَخَذَهُ اللَّهُ} الفاء مفرعة عن الجمل التي قبلها، أي كان ما ذكر من تكذيبه وعصيانه وكيده سببا لأن أخذه الله، وهذا هو المقصود من سوق القصة وهو مناط موعظة المشركين وإنذارهم، مع تسلية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتثبيته.
** وورود فعل {أَخَذَه} بصيغة المضي مع إن عذاب الآخرة مستقبل ليوم الجزاء لأنه لما مات ابتدأ يذوق العذاب، حين يرى منزلته التي سيؤول إليها، وكما قال تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46].
{نَكَالَ} هو اسم لما جعل نكالا للغير أي «عقوبة له» حتى يعتبر به.
وأصل النكال: إيقاع أذى شديد على الغير من التشهير بذلك بحيث ينكل أي يرد ويصرف من يشاهده عن إن يأتي بمثل ما عومل به المُنَكل به، فهو مشتق من النُكول وهو النكوص والهروب، كما قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66].
{الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} أي نكلّ الله به نكالًا معجلًا في الدنيا حين أغرقه، ونكالًا مؤجلًا في الآخرة كما توعده. فكان عبرة في زمنه وعبرة فيما بعد زمنه إلى يوم القيامة.
وما يصيبه في الآخرة أطلق عليه النكال لأنه يشبه النكال في شدة التعذيب ولا يحصل به نكال يوم القيامة.
وتقديم {الْآخِرَةِ} على {الْأُولَى} في الذكر لأن أمر الآخرة أعظم.
** وقيل: هما الكلمتان العظيمتان اللتان تكلم بهما فرعون في قوله {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]. والثانية قوله {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]. قال ابن عباس: *وكان بينهما أربعون سنة*. وقد اختار ابن كثير الأول، واختار ابن جرير الثاني.
قال القفال: وهذا كأنه هو الأظهر؛ لأنه تعالى قال: {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} فذكر المعصيتين ثم قال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} فظهر إن المراد أنه عاقبه على هذين الأمرين. انتهى.
لكن القرآن يشهد لما قاله ابن كثير في قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 92]، وهذا هو محل الاعتبار.
{إن فِي ذَلِكَ} اسم الإشارة راجع إلى الأخذ والنكال أو حديث موسى.
{لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} أي: في أخذه وما أحلَّ به من العذاب والخزي، عظة ومعتبرًا لمن يخاف الله ويخشى عقابه، ويعلم إن هذه سنته في كل من يقاوم الحق ويحاربه؛ فإن نبأ الأولين عبرة للآخرين.
** وتنوين (عبرةً) للتعظيم لأن في هذه القصة مواعظ كثيرة من جهات هي مثلات للأعمال وعواقبها، ومراقبة الله وخشيته، وما يترتب على ذلك وعلى ضده من خير وشر في الدنيا والآخرة.
** وتأكيد الخبر ب {إن} بلام الابتداء لتنزيل السامعين الذين سيقت لهم القصة منزلة من ينكر ما فيها من المواعظ لعدم جريهم على الاعتبار والاتعاظ بما فيها من المواعظ.
** وفي هذا تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا بأهل للانتفاع بمثل هذا كما لم ينتفع بمثله فرعون وقومه.
وفي القصة كلها تعريض بسادة قريش من أهل الكفر مثل أبي جهل بتنظيرهم بفرعون وتنظير الدهماء بالقوم الذين حشرهم فرعون ونادى فيهم بالكفر، وقد علم المسلمون مضرب هذا المثل فكان أبو جهل يوصف عند المسلمين بفرعون هذه الأمة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين