بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
في هذه السلسلة نطرح بإذن الله *حوارًا تخيليًا*بين المُربي – سواء كان والدًا أو معلمًا أو غيره – وبين المُتربي – وهو الابن أو الطالب أو غيره –
والهدف منها التذكير بالقيم والمبادئ الجميلة لديننا، وأيضًا قد تكون عونًا للمربين في التعليم والتأديب، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
دخل المُربي على أبنائه فوجدهم يتحدثون، وفي معرض حديثهم ذكروا أشخاصًا بأسمائهم وبما اتصفوا به من صفات – بخيل، قاطع رحم، وكذا. –
فقال المُربي: مهلًا يا أبنائي، أتعلمون أن حديثكم هذا وذكركم هؤلاء الناس بأسمائهم وصفاتهم يُعتبر غيبة؟
قالوا: إنّ ما نقوله فيهم!
قال المُربي: نعم، هذه هي الغيبة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُئل عن الغيبة، قال: "ذِكْرُكَ أخاك بما يَكْرَهُ، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟
قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه".
يا أبنائي، إنّ من يتناول أخاه المسلم في غيابه بكلامٍ وأوصافٍ مذمومة، سواءٌ كان ذلك في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خُلُقه، أو خَلْقه، أو غير ذلك مما يتعلق به، فإنه حتمًا يكرهها.
ألا ترى أنه لو كان حاضرًا أو وصلت له لكرهها؟!
وأيضًا قد حذّر الله تعالى منها في كتابه الكريم، فقال:
{وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}
[الحجرات: 12].
قالوا: وما معنى الآية يا والدي؟
قال المُربي: ذكر الشيخ السعدي في تفسيره قال:
والغيبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذِكْرُكَ أخاك بما يكره ولو كان فيه".
ثم ذكر مثلًا منفرًا عن الغيبة، فقال:
{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}
شبّه أكل لحمه ميتًا، المكروه للنفوس غاية الكراهة، باغتيابه؛ فكما أنكم تكرهون أكل لحمه، وخصوصًا إذا كان ميتًا فاقد الروح، فكذلك فلتكرهوا غيبته وأكل لحمه حيًا.
قالوا: وما وجه التشبيه بأكل لحم الميت؟!
قال المُربي: لما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته، كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت، ولما كان المغتاب عاجزًا عن دفعه بنفسه لكونه غائبًا عن ذمّه، كان بمنزلة الميت الذي يُقطّع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
قالوا: على هذا التحذير الشديد من الغيبة، يعني أنها من الكبائر؟
قال المُربي: نعم، الغيبة محرمة، ومن الكبائر.
قالوا: وهل من كفارة لها؟
قال المُربي: نعم، بالاستغفار، والتوبة، وذكره بالمحاسن التي تعلمونها منه، وإن تيسّر تتحلل منه.
قالوا: وإن خفنا غضبه وقطيعته؟
قال المُربي: لا تُعلمه، ويكفيكم التوبة والاستغفار وذكر محاسنه في المجالس التي ذكرتموه فيها بسوء.
قالوا: هل في جميع الأحوال هي محرمة؟
قال المُربي: تُباح في بعض الأحوال للمصلحة، ومن ذلك:
دفع الظلم، بحيث يذكر المظلوم من ظلمه، فيقول: ظلمني فلان أو فعل بي كذا.
ومنها: التحذير من شر من عُرف بالسوء، ونصيحة من يتعامل معه.
ومنها: المشاورة في أمر الزواج أو المشاركة أو المجاورة ونحو ذلك.
ومنها: غيبة المجاهر بفسقه أو بدعته، كالخمر، فيجوز ذكره بما يجاهر به فقط.
قالوا: وإن دخلنا في مجلس فيه غيبة، ماذا نفعل؟
قال المُربي: أنتم على أحد حالين:
إن كنتم راضين بفعلهم فأنتم شركاء لهم ولو لم تشاركوهم في الغيبة.
أو أن تكونوا منكرين له بقلوبكم وغير راضين ولا مستمتعين، ولكنكم لم تنكروا بسبب الخجل المذموم، فأنتم غير مشاركين لهم، وإن كنتم قد وقعتم في محظور، وهو جلوسكم معهم وعدم مفارقتهم.
قالوا: وبماذا تنصحنا أن نقضي اجتماعاتنا؟
قال المُربي: الأفكار كثيرة يا أبنائي، ويمكنكم تبادل الاقتراحات بينكم وبين من ستجتمعون بهم، فمثلًا: عمل مسابقات خفيفة، أو القيام برياضة، أو ممارسة حرف، أو غير ذلك؛ فبهذا تجتمعون وتجمعون بين المنفعة والتسلية.
قالوا: شكرًا لك، قد أفدتنا، وجزاك الله خيرًا، ولا تنسنا من دعائك.
قال المُربي: وفقنا الله وإياكم لكل خير، وحفظنا وإياكم من كل شر، وجنبنا كل خُلق سيئ.