بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
يلعب النقد، أو الممارسات النقدية الجادّة والبنّاءة، دورًا مهمًا ومحوريًا في تطوير الأفراد والمجتمعات وازدهارها، والانتقال بها إلى وضعٍ أفضل. ذلك إن النقد سواء كان موجَّهًا للذات أو للغير، وسواء كنّا راضين عنه ومتفقين معه أم لا فإنه غالبًا ما يقع على موضعٍ من الخلل أو الخطأ، ويكون مؤشرًا دالًا على ضرورة المراجعة والإصلاح للمكمن الذي وقع عليه النقد.
ومن المهم ألّا يتحول النقد من وسيلةٍ للإصلاح والتقويم إلى هدفٍ وغايةٍ في حدّ ذاته؛ لأنه حينئذٍ سيصبح مجرد استعراضٍ للقوة في وجه الآخرين، وستكون نتائجه على غير المعتاد أو المتوقع، إذ قد يؤدي إلى إلغاء الآخر وتقليص روح المبادرة لديه، بدلًا من تحفيزه على النقد البنّاء الذي يقود إلى الإصلاح والتحسين والتقويم.
والنقد الموجَّه للذات يُعرف في تراثنا الإسلامي بمحاسبة النفس، وهي عملية داخلية هدفها إصلاح النفس وتقويمها. وفي هذا المعنى يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل إن تُحاسَبوا) ولا توجد طريقة لإصلاح الذات وتقويمها إلا بمعرفة الإنسان لنفسه ودواخلها أولًا، ثم إجراء تقييم واقعي يقوم على العلم والتجرد من الآثار العاطفية. فإذا عرف المرء نفسه معرفة حقيقية، فإنه سيعمل على تقييمها، ويُحدث تغييرًا في ذاته ينبني عليه إصلاح حاضره ومستقبله.
وعلى الرغم من أهمية النقد، فإننا في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية نعاني من حساسية قد تكون مفرطة تجاه النقد بمختلف درجاته وأشكاله. وتتجلى مظاهر هذه الحساسية في اعتبار النقد إهانةً للذات، أو محاولة لزعزعة الاستقرار، أو ربما تهديدًا للهوية الجماعية.
وهذه الحساسية، أو هذا الرفض، من أبرز التحديات التي تواجه النقد البنّاء؛ لأنها تسهم في استمرار الفشل وتراكم الأزمات، مما يؤدي إلى بقاء مجتمعاتنا بعيدة عن التقدم، وعن التعلم من الأخطاء أو الاستفادة من تجارب الآخرين.
والنقد البنّاء يُعدّ قوةً فاعلة في إحداث التغيير؛ فالفرد أو الجماعة قد ينزجر ويبتعد عن الخطأ إذا وجد من يوجه له نقدًا صحيحًا مبنيًا على أسلوبٍ سليم وطريقةٍ لطيفة. ويكون أكثر قبولًا حين يُراعى فيه مراعاة النفس البشرية من خلال ذكر الإيجابيات أولًا بإنصافٍ وعدل، ثم الإشارة إلى مواضع الخلل بحكمة وروية، وهذا يجعل عملية التقويم أو التصحيح مقبولة، ويزيد من فرص إحداث تغيير حقيقي سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.
والنقد البنّاء لا يقتصر على ملاحظة الأخطاء أو بيان مواضع القصور، بل هو وسيلة وطريقة حضارية للإصلاح والتطوير يمارسه الأفراد بروحٍ مسؤولة، وبهذا يتحول إلى أداةٍ ذات فعالية في تنمية الوعي الفردي والجمعي على حد سواء، حرصا على تصحيح المسار، وبناء شخصية أكثر نضجًا وقدرةً على التعلّم من التجارب. كما إن المجتمعات التي تتقبل النقد وتتعامل معه بروحٍ إيجابية تكون أكثر قدرة على مراجعة ذاتها، وتصحيح أخطائها، واستثمار خبراتها وتجارب الآخرين في تحقيق التقدم والازدهار.
وعلى هذا فإنه يتحتم علينا ترسيخ ثقافة النقد البنّاء باعتباره خطوة أساسية في طريق نهضة الفرد والمجتمع، ويعمل على تحويل الخطأ فرصةً للتعلم والنمو بدلًا من كونه سببًا للتراجع والجمود.