فوائد من درس دلائل الإعجاز 81

38
6 دقائق
11 ذو الحجة 1447 (28-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد: 17 من شوال 1447ه الموافق لـ 5 . من إبريل 2026م:

• القضية الأساسية في «الرِّسالة الشَّافية» هي إثبات إن العربَ لمَّا سمعوا ما تلاه عليهم سيدُنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أيقنوا أنه ليس مِن كلامهم، وأنهم لا يستطيعون إن يأتوا بمِثْله، وأنه فوق طاقة البشر، وهذا مهمٌّ جدًّا؛ لأنه ليس بعد الإقرار بأن ما جاء به «محمَّد» لا يَدخل في طَوْق البشر إلَّا أنه نبيُّ الله ورسولُه، وهم لم يفعلوا، وهذا مِن أعجب ما قرأتُ.

• أعجبُ ما أقرؤه في تاريخ المسلمين إن «قريشًا» كانوا يَتبيَّنون الحقَّ ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم - وليس هناك معرفةٌ أفضلُ مِن معرفتنا أبناءنا - ومع ذلك كانوا يُنكرونه، وهذه هي قضيةُ الكُفْر الأولى.

• المعرفةُ قيمتُها إن تُفكِّر فيها، ليستْ قيمةُ العلم إن تُحصِّل العلم، وإنما إن تبدأ بعد تحصيله في التفكير فيه وتَبيُّنه.

• كَتب عبدُ القاهر «الرِّسالة الشَّافية» - وهي أحد كُتبه الجليلة - ليُبيِّن إن العربَ لمَّا سمعوا مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما تلاه عليهم أيقنوا أنه لا يَدخل في طَوْق البشر، وأنهم عاجزون عن الإتيان بمِثله، ثم صاروا إلى ما صاروا إليه.

• بدأ الشيخ عبد القاهر «الرِّسالة الشَّافية» بحقائق علمية جليلة جدًّا، وهي مدهشةٌ في تاريخ المسلمين، ولكنَّ قِيمتَها في إن تفكِّر فيها، وأن تُراجعها، وليس في إن تُحصِّلها، وهذه الحقائقُ هي إن الله (جلَّ جلالُه) جعل الجيلَ الذي يتلقَّى القرآن، ويَنزِلُ فيه القرآنُ، خيرَ أجيال البشر في أمرين: في إنتاج البيان، وفي معرفة مراتب الكلام في الفَضْل.

• اتفقت الأمَّة على إن خير أجيال العرب، بل خير أجيال الأرض، في معرفة صناعة البيان وفي معرفة الفرق بين بيان وبيان = هو هذا الجِيل الذي أنزل اللهُ فيه القرآن.

• الجِيلُ الذي نزل فيه القرآنُ صار خيرَ أجيال الأرض لمَّا دخل في دين الله؛ لأن سيدَنا رسول الله ذكَر إن جِيل أصحابه هو خيرُ أجيال الأرض، وأن الذي يَلِيهم في الخيرية هو الجيلُ الذي رأى مَن رأى رسول الله، وهذا عجيبٌ، وليس له نظيرٌ في تاريخ الوجود.

• الجِيلُ المُنْزَلُ فيه القرآنُ هو خير أجيال الأرض في البيان، والمُنْزَلُ عليه سيدُنا رسولُ الله خيرُ مَن نطق باللسان، والمُنْزَلُ - الذي هو القرآن - خيرُ كلام الله وخيرُ كُتب الله؛ فخَصَّنا الله بجملةٍ مِن الخِيار: خير الأجيال، خير الأنبياء، خير الكُتب.

• الخيريةُ في الكتاب، والخيريةُ فيمن أنزل اللهُ عليه الكتاب، والخيريةُ في الجِيل الذي نزل فيه الكتابُ = أنتجت جِيلَ الأصحاب الذي هو خيرُ أجيال الأرض.

• أدهشني إن علماءنا - بناءً على كلام سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - قالوا إن الخيريةَ في الجيل الذي رأى رسولَ الله انتقلتْ إلى الجيل الذي رأى مَن رأى رسول الله، ثم زادوا فقالوا إن مَن رأى مَن رأى مَن رأى رسولَ الله صاروا من الأخيار؛ فسببُ الخيرية هو رؤيةُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

• لم أعرفْ نبيًّا دخل قومُه في دين الله أفواجًا إلا سيدَنا رسولَ الله، وانظر قصَّة نوح، وقصَّة عاد، وقصَّة ثمود. كل الأمم التي كذَّبتْ أنبياءها بَقيتْ على تكذيبها، ولم يَدخلْ منها في دين الله إلا عددٌ قليلٌ جدًّا جدًّا.

• أُحِبُّ الجاهليين، ومَن مات منهم على الكُفر مات؛ قدَّر الله عليه ذلك، إنما مَن بَقوا دخلوا في دين الله أفواجًا، وكانوا خيرَ المجاهدين، وكانوا خيرَ أجيال الأرض، وانتقلت الخيريةُ منهم إلى مَن رآهم؛ فالخيريةُ في التابعين لأنهم رأوا الأصحاب، والخيريةُ في تابعي التابعين أنهم رأوا مَن رأوا مَن رأوا رسولَ الله.

• يا أيها الناس، العلمُ ليس هو في الذي تقرؤون، وإنما العلم في مراجعة الذي تقرؤون، وفي التفكير في الذي تقرؤون، وفي نقد الذي تقرؤون.

• «الرِّسالة الشَّافية» ليست بحثًا في مسائل، وإنما هي حوارٌ في قضية عقلية، بدأها عبد القاهر ببيان إن العربَ أقدرُ الأمم في البيان، وأن مِن شأن الكلام إن يَفضُل بعضُه بعضًا، وأن الذين أنزل اللهُ فيهم القرآن أيقنوا أنه لا يَدخل في طَوْق البشر، ثم قال إنه سيبحث عن حالِهم ومقالهم، وما يَدلُّ عليه حالُهم وما يَدلُّ عليه مقالُهم، وبحثَ ورأى إن الحال يدلُّ على أنهم أيقنوا أنه لا يَدخل في طَوْق البشر، وأن المقال يدلُّ على ذلك أيضًا، ثم بدأ يُورِد اعتراضاتٍ يمكن إن يُعترض بها على إن دلالة الحال والمقال تَقطع بأنهم أيقنوا أنه لا يدخل في طَوْق البشر، وعبد القاهر كان يفترض اعتراضاتٍ لا يمكن إن يقولها جاهلٌ مهما كانت درجةُ جهله، ولم أجد عبد القاهر وحدَه في هذا، وإنما أجد كثيرًا من علمائنا يَروْن احتمالَ إن يُقال كذا، مع أنه احتمالٌ لا يَرِد، إلا إن القضايا ما دامت في العقيدة يحرصون على تنقيتها ممَّا يُتوقَّع وممَّا لا يُتوقَّع.

• يا بُنيَّ، اسمعْ مني: حاولْ إن تقرأ ليس ما كتبه المؤلِّف، وإنما اقرأ ما دار في عقل المؤلِّف؛ لأنه لم يكتب إلا الذي دار في عقلِه، وبدلًا مِن إن تقف عند الذي دار في عقله ارجعْ خطوةً إلى الوراء واقرأ الذي ألجأه إلى إن يَكتب الذي كَتب، أيْ: العقل والفِكْر والخواطر التي دعتْه إلى إن يكتبَ الذي كتب.

• ما أعذبَ وما أَسْلَسَ إن تَلتحِمَ ليس بكلام المؤلِّف، وإنما بعقل المؤلِّف، وأن تنسى أنك تقرأ ورقًا وأن تتذكَّر أنك تقرأ عقلًا!

• يقيني أنا أنني لن أنفعَك بشيءٍ إلا إذا أردتَ أنتَ إن تَنتفع، وقلت لكم كثيرًا: لن يَصنعك أستاذ، ولن يَصنعك كتاب، ولن يَصنعك أبٌ، وإنما أنت الذي تَصنع نفسَك إن كنتَ مُصمِّمًا على إن تَصنع نفسَك؛ كُنْ مُصمِّمًا على إن تصير رجلًا تَصِرْ رجلًا.

• نحن أخطأنا خطأ فاحشًا حين اعتقدنا إن التذوُّق للشِّعر والأدب فقط. يا سيدي، التذوُّق للكلام العالي، ولو كان في «مبتدأٌ زيدٌ وعاذرٌ خَبر».

• المؤلِّفُ ليست غايتُه إن يُحفِّظك معلومات، غايتُه إن يَصنع منك عقلًا متميزًا، إن يَصنع منك إنسانًا متميزًا، وهذا شيءٌ حين كنتُ أجِدُه في كلام علمائنا تُداخِلُني مَسرَّةٌ وحُبٌّ لهؤلاء العلماء.

• ليس في الدنيا قيادةٌ سياسيةٌ أفضلُ مِن قيادةٍ سياسيةٍ تَحرِص على إن تبني إنسانًا، ليس في الدنيا مُعلِّمٌ أفضلُ مِن مُعلِّم يَحرِص على إن يُنشِّئ لقومه ناسًا أعلمَ منه، ليس في الدنيا طبيبٌ أعلى مِن طبيبٍ يَحرِص على إن يُربِّي لقومه طبيبًا أعلى منه، أمَّا مَن يقول: «أنا ومِن بعدي الطُّوفان» فهو أبو الطُّوفان وأمُّ الطُّوفان.

• احرصْ على إن تَصنع خيارًا في أمَّة الأخيار، التي رسولُها خيرُ الأخيار، وكتابُها خيرُ الأخيار.

• كنتُ أقول لطلابي دائمًا: لن تُفلِحوا إلا إذا كَرِهْتُم التخلُّفَ كما تكرهون إن تُقذَفوا في النار.

• سِنِّي تسعون سنة، وأحيانًا أقرأ الفكرةَ التي حَفِظتُها وسِنِّي عشرون سنة، ولكنَّ لُغةَ العالِم، ولُغةَ عَرْضِها الجديدة، تَجعلني كأنني لم أقرأها إلَّا الآن.

• اقرأ في السطور عَقْلَ كاتب السطور، ولن تتغيَّر بالعِلم ما لم يكن العِلمُ الذي يُغيِّرك هو الأفكار التي غيَّرت الذي كَتبَ لك هذه الأفكار.

• كلُّ همِّي ليس إن أعلِّمك العلم، وإنما إن أُعلِّمك كيف تقرأ، فأنا أُهيِّئك لأن تكون طالبَ علم.

• أمَّةٌ طَلبُ العلم فيها من المَهْد إلى اللَّحْد يكون فيها تخلُّف! ويكون فيها أُمِّيون وجَهَلة! وتَعيشُ عالَةً على الناس! كلُّ ذلك يَعني أنها انفصلتْ عن دِين الله؛ لأن الله جعلها خيرَ أمَّةٍ أُخرجَتْ للناس، وقال لها: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ}، وأنزلَ عليها أفضلَ كُتبِه، وبَعثَ فيها خيرَ خَلْقِه، وأعدَّ لنشأة دِينها خيرَ الأجيال، وصار كُفَّارُها بعد دخولهم في دين الله خيرَ أجيال الأرض.

• يُدهشني إن أكثرَ الناس ضَلُّوا والضلالُ بَيِّنٌ كالشمس الطالعة، أكثرُ الناس أنكروا وجودَ الله وهم أنفسُهم برهانٌ على وجود الله، {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}؛ سُخريةٌ شديدةٌ حين تُنكِر الذي خلقَك وربَّاك وأعطاك السَّمعَ والبصرَ والفؤاد.

• كِرامُ علمائنا - الذين منهم الشيخُ عبد القاهر - حين يُبيِّنون الحقيقةَ يَحمُونها بما يمكن إن يُقال عنها، وبما يمكن إن يُتوهَّم إن يُقال عنها؛ فيَسوقُون اعتراضاتٍ ويُجيبون عنها.

• كنتَ تتمنَّى إن تَعيشَ نصفَ عُمرك في زمن جرير والفرزدق. إن أعيشَ مع رجالٍ كفاءاتٍ سنةً أفضلُ مِن مائة سنةٍ مع أنذالٍ وكلابٍ وتافهين ومنافقين وكذَّابين وطبَّالين وزمَّارين، العُمرُ مع الزمَّارة ليس له أي قيمة، إلا إذا تركتُ الزمَّارة واشتغلتُ مع هؤلاء الكرامِ الكبارِ، وتعرَّفتُ على ما في كُتبهم وعلى ما في سرائر نفوسهم.

• حين تَبقى ساكتًا حتى يُفهِّمَك الأستاذ فلن تَفهم ولن تكون شيئًا، وإنما ابدأ وافهمْ، ولو حاولتَ الفَهْم وأخطأتَ تكون أفضلَ مِن الذي أفهَمَه غيرُه.

• القرآنُ لم يُسكِت «قُريشًا»، ولم يَقطع أطماعَهم في معارضته، بتفوُّقه البيانيِّ فحسب، والذي أجِدُه مِن هذا البيان، ومِن أَبْيَنِ البيان، إن الله قضى بأنهم لن يَستطيعوا الإتيان بمثله، {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا}، {وَلَن تَفْعَلُوا} صادقةٌ على مَن كان في عهد محمَّد إلى إن تقوم السَّاعة، وصادقةٌ على غير العرب كصِدْقها على العرب، وصادقةٌ على الجِنِّ كصِدْقها على الإنس.

• الذي يقرأ اللِّسانَ العربيَّ يُدرِك إن الجملةَ الاعتراضية - التي هي جملةٌ تأخذُ موقعًا ليس موقعَها - جملةٌ محتلَّة، جملةٌ مُستعلِية، جملةٌ مستكبِرة، جملةٌ تأخذ حُقوقَ الجمل؛ لذا لا تكون إلَّا للإشارة إلى إن معناها يجب إن يكون حاضرًا.

• الجُمل الاعتراضيةُ في القرآن بابٌ عجيبٌ جدًّا، وأحبَبْتُه مِن أوَّل ما قرأتُ القرآن وعَرَفتُ الجُملَ الاعتراضيةَ مِن الجُمل غير الاعتراضية.

• أريد إن نَطُوفَ حول الحقِّ ولو لم نُدرِكْ أسرارَ الحقِّ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق