بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.
يوم الأحد: 15 من ذي القعدة 1447ه الموافق لـ 3 من مايو 2026م:
• فَرقٌ بين إن نقرأ عبد القاهر وهو يُحدِّثنا عن التقديم والتأخير وعن علم البلاغة وبين إن نقرأ عبد القاهر وهو يعالج قضايا وليس مسائل علمية محدَّدة.
• فَرقٌ بين إن نقرأ «دلائل الإعجاز» لنتعلَّم العِلمَ الذي أراد عبد القاهر إن يُعلِّمَه لنا وأن نقرأ «الرِّسالة الشَّافية» التي يعالج فيها قضايا فكرية؛ ولذلك ذكر في أوَّل صفحة من «الرِّسالة الشَّافية» إن كلَّ بابٍ من أبواب المعاني له لُغةٌ وله طريقةٌ هي أقربُ إليه وأهدى إليه.
• العقلُ الذكيُّ في استخراج حقائق العلم وتعليم حقائق العلم ستجده أيضًا عقلًا ذكيًّا وهو يتكلَّم في قضايا فكرية عامَّة، وكأن عبد القاهر من وراء ذلك وبدون إن ينطق يقول لنا: كوِّنوا العقليةَ العلميةَ وأنتم تُعلِّمون النحو، أو وأنتم تُعلِّمون الفقه، أو وأنتم تُعلِّمون الطبَّ.
• أيُّ علم تُعلِّمه يجب إن يكون بين عينيك ومن أهم أغراضك تكوينُ المَلَكة العلمية والعقلية العلمية؛ لأنك إذا كوَّنتَ العقليةَ العلميةَ نجح الطالبُ، سواء درَس الرياضة، أو درَس النحو، أو درَس ما شِئتَ من العلوم؛ فالمهم إن تكوِّن العقلية العلمية.
• أيها المُعلِّم، مع صرف النظر عن المادة التي تدرِّسها؛ نحوًا أو رياضةً، أنت لا تُعلِّم النحو فحسب، ولا الرياضةَ فحسب، وإنما أنت صانعٌ ومكوِّنٌ لعقلية علمية، ثم بعد ذلك يَذهب الطالبُ إلى أي عِلمٍ يشاء.
• حين أقرأ لعالِمٍ واحدٍ في بابين من أبواب العلم، وأجِدُه نَبَغ هنا ونَبَغ هنا، أتوقَّف وأشعر بأنه يخاطبني ويقول لي: المسألةُ ليست مسألةَ إن تُحفِّظني العلم، المسألةُ مسألةُ إن تَزرع فيَّ العقليةَ العلميةَ والمَلَكةَ الفكريةَ، ثم دَعْني مع الحياة أُواجِه فيها ما أُواجِه.
• سيِّدُنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُحدِّث ببلاغِ ربِّه؛ يقول: "كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مسئولٌ عن رعيِّته"، لم يتكلَّم عن الشيء الذي تعلَّمتُه، وإنما قال لي: سواء كنتَ ترعى الاقتصاد، أو ترعى الزراعة، أو ترعى البهيمة، فكلُّها رعايةٌ محتاجةٌ إلى عقل وإلى ذكاء وإلى فِطْنة.
• تكوينُ العقلية العلمية يجب إن يكون مهمَّتَنا الأساسية؛ في ما نكتب في أوراقنا، وفي ما نتحدَّث به إلى طلَّابنا.
• أكرَه القراءةَ العمياء، وأرى إن وجودَها كعدمِها إن لم تكن تفكِّر فيما تقرأ، لا لِتفهمَ ما تقرأ فحسب، وإنما لتتعرَّف على عقليةِ مَن كَتب وكيف كان يفكِّر.
• مهمٌّ جدًّا إن تقرأ المقروءَ بعقلٍ آخر، لا أقول: «بعقل حداثي» ولا «بعقل جديد» كما يقول «الهلافيت»، لا، وإنما اقرأه بعقلك أنت وتفكيرك أنت؛ لأني لا أعترف لك بعِلمٍ نقلتَه عن غيرك؛ لأنك حين تعيش على نقل معارف الآخرين فأنت شاهدٌ صادقٌ على إن عقلَك لا قيمة له، وأنه خُلِقَ ليَعيش عالة.
• قرأتُ كلمةً جيدةً جدًّا لرجلٍ مفكِّر مِن قومٍ آخرين؛ كان يقول: «لا يَجوز إن يدخل بلادَنا فِكرٌ من خارجها، ولو كان الذي قاله مِن جِنسِنا لكنه لم يَسكنْ في ديارنا»، وقد أعجبتني جُملتُه الأولى، لكنَّ الأجودَ والأدقَّ أنه قال: «ولو كان الذي كَتَبه منَّا، ومِن دِيننا، ومِن جِنْسِنا، ومِن أبينا وأُمِّنا، ولكنه يَسكن خارجَ بلادنا»، وكأن البلاد تتقدَّم بالفكر الذي يُنتجِه قومُها الذين يعيشون على تُرابها، وكأن التقدُّم بينه وبين التُّراب رَحِم، وأن التُّراب لن يتقدَّم بفِكرٍ طرأ عليه وإنما يتقدَّم بفِكرٍ نَبَع منه.
• حين تقول: «نأخذ مِن غيرنا ما نحتاجه» فأنت تُربِّي مُتسوِّلين، هذه كلمةٌ تافهة، والحقُّ هو إن تقول: «نَصْنع بعقولنا وأيدينا ما نحتاجه، ونملأ فراغَ زماننا بجهودنا نحن كما ملأ أسلافُنا فراغَ أزمنتهم بعقولهم هم».
• لك عَدوٌّ يتقدَّم كلَّ يوم، وإذا تمكَّن منك فلن يَعرِف رحمة، والذي قال لك ذلك هو الذي خلقك وخلقَه؛ قال: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، عَدوٌّ كلُّ دولةٍ يَستشعر منها قوَّةً يُعمِل فيها الخرابَ والموتَ؛ فلا بدَّ إن تستيقظوا.
• لم أجِد الكتابَ العزيزَ كرَّر النِّهايةَ عن شيء كما كرَّر النِّهايةَ عن تفريق الأمَّة، لا لشيء إلا لأنها إذا تفرَّقتْ أقدَمَ عليها عَدوُّها، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، لا تَمرَّ عليك هذه الثلاثةُ: تَنازعٌ يُفضِي لا محالةَ إلى الفشل، وفَشلٌ يُفضِي لا محالةَ إلى ذَهاب الرِّيح التي هي القوَّة.
• الزمْ جماعةَ المسلمين وإمامَهم، ليس حُبًّا في إمامهم، وإنما حرصًا على وَحْدة الجماعة وتَماسُكها.
• سيِّدُنا رسولُ الله يَعلمُ إن مِن الأئمة أئمَّةَ الجَوْر، وأخبر بأن أوَّل مَن يَدخل الجحيمَ مِن أمَّة «لا إله إلا الله» هو حاكِم الجَوْر.
• القرآنُ يَنهاك عن مُنازعة الحاكم الظالم، ليس حُبًّا في الحاكم الظالم، ولا حرصًا على حُكمِه، وإنما لأن ذلك هو السَّبيل إلى تماسُك الأمَّة ووَحْدتها.
• أكره كلَّ فئة تُحْدِث منازعةً في الأمَّة؛ لأن القرأن كلما قرأتُه وجدتُ تأكيدًا على وَحْدة الأمَّة؛ لأنها إذا تفرَّقتْ ذَهبتْ رِيحُها.
• ليس هناك نَمطٌ تُطأطئ رأسك أمامَه إلا عقلَك أنت: يَقبَل ويَرفُض.
• قال سيِّدُنا عليٌّ رضي الله عنه: «قِيمةُ كلِّ امرئ ما يُحْسِن»؛ فالعبرة ليست بالعمل، وإنما بإحسان العمل؛ ف«الكَنَّاسُ» الذي يُحْسِن «الكِناسةَ» أفضلُ من العالِم الذي لا يُحْسِن العلم.
• اجعل النَّصَّ الذي تقرؤه يُطالبك بأن تقرأه مرةً ثانيةً حتى تَفهم منه شيئًا لم يَفهَمْه العامَّة.
• أبو جعفر المنصور كان في زمنٍ كان الخلفاءُ فيه علماء، حتى إن «المنصور» هو الذي قال فيه «مالِكٌ» إنه علَّمه الفقه حين قال له: اكتبْ كتابًا تتجاوز فيه عن شدائد «عُمَر» ورُخَص «ابن عبَّاس».
• لو كنتُ أنا بلَحْمِي ودَمِي أريد إن أصنع منك شيئًا فلن أستطيع، إنما تستطيع أنت إذا أردتَ أنت حتى لو كان كلامي ضعيفًا جدًّا. القويُّ يا سادة يَنتفع بما يسمع ولو كان كلامًا ضعيفًا، و«الهلفوت» يا سادة لا يَنتفع بما يسمع ولو كان وحيًا من السماء.
• لا تبحثْ عمَّن يعلِّمك، لأن الذي يُعلِّمك هو الذي بين جنبَيْك.
نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا *** وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقْدَامَا
فتَعلَّمِ الكرَّ والإقدامَ، والكرُّ والإقدامُ ليس فقط في ميدان الحرب، وإنما كلُّ ميادين الحياة كَرٌّ وإقدامٌ.
• لا نتعلَّم العلمَ لنَحفظَ العلمَ فحسب، وإنما نتعلَّم العلمَ لنَصْنعَ العلمَ.
• وأنت تقرأ الفِقْرةَ قد تَجِد جملةً واحدةً شاملةً لكلِّ ما في الفِقْرة؛ فمهمَّتُك إن تَبحث عن «الجملة الأُمِّ» التي هي المقصودُ في هذه الفِقْرة، وحين تقرأ كلامَ سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والقرآنَ الكريمَ بوَعيٍ ستجد «الجملة الأُمَّ» واضحةً بَيِّنةً، وهذا مِن جلال اللُّغة ومِن جلال الفطرة الإنسانية: إن أبادِئك بسَطرٍ ثم أُسَلْسِلَ مِن هذا السَّطر صفحةً كاملةً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين