15 طالب حقيقي؟ كثير

46
1 دقائق
12 ذو الحجة 1447 (29-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

من يتأمل مسالك العلماء الكبار يدرك إن “العلم” و”الأثر” لم يكونا يومًا رهنًا بالجموع الغفيرة؛ بل إن سُنَّة الله في ميراث النبوة إن يحمله القليلون الصابرون.

فلو نظرت في مجالس أئمة الهدى، لوجدت إن الملازمين الذين حملوا علمهم ومذاهبهم كانوا نزرًا يسيرًا. خذ مثلًا مفتي مكة وإمام الحجاز، عطاء بن أبي رباح؛ فقد كان (أرضى الناس عند الناس، وما كان يشهد مجلسه إلا سبعة أو ثمانية) [١].

وإبراهيم النخعي، فقيه العراق الذي ملأ الدنيا علمًا، سُئل الأعمش عن عدد من كان يحضر مجلسه فقال: (ثلاثة، أربعة، اثنين) [٢].

وحتى الإمام الشافعي، الذي طار فقهه في الآفاق، لم يثبت معه في مصر إلا قِلّة، قال عنهم وهو يوزع المهام بينهم: (أما الربيع فيؤدي حديثي، وأما المزني فيُجادل عن مذهبي، وأما البويطي فيُفتي بمذهبي) [٣].

والبخاري الذي سمع جامعه (تسعون ألفًا)، لم يُعتمد من رواته الملازمين الذين حملوا هذا السفر العظيم إلا ثلاثة! [٤]

ثبات القلة هي طبيعة الطريق؛ فالملازمة شاقة، والانقطاع عزيز، والنفوس تتفلت. قال الأعمش واصفًا هذا الانتقاء: (لا تنثروا اللؤلؤ تحت أظلاف الخنازير) [٥].

وكان الإمام مالك شديدًا في مجلسه، حتى إن أحدهم قال: (أقمت على باب مالك سبعين يومًا حتى كتبت ستين حديثًا) [٦].

فلا تغتر بكثرة من يُصفّق لك، ولا تحزن إن رأيت مقاعد مجلسك خاوية؛ فالكثرة زبدٌ سرعان ما يجفو، والقِلّة الصابرة هي التي تُثبّت الجذور وتُثمر الأثر، والعاقل -الذي يريد ألا يُصدم- فلا يعوّل على كثير متلاشي بل يصطفي ويصب اهتمامه للقلة الصادقة، والكثرة الزبَدية لهم فتات الوقت -إن وجد-.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

[١] سير أعلام النبلاء للذهبي (٩١/٥).

[٢] المصدر السابق، ترجمة الأعمش (٦/ ٢٢٦)

[٣] مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ١٣٥)

[٤] سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١)

[٥] المصدر السابق (٦/ ٢٢٦)

[٦] المصدر السابق، ترجمة مالك (٨/ ٤٨)


مقالات ذات صلة


أضف تعليق