أحكام العيد وآدابه

40
10 دقائق
12 ذو الحجة 1447 (29-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

إن العيدَ مِنْ شَعَائِرِ الإسلام الظاهرة، وَلَهُ أحْكَامٌ وآدَابٌ تتعلقُ به، فأقولُ وباللهِ تَعَالَى التوفيق:

معنى العيد:

سُمِّيَ العِيدُ عِيدًا لأَنه يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ مُجَدَّد. وقيل لأنه يَعودُ في كل عَام. (لسان العرب ج4 ص3159).

أعياد المسلمين:

الأعيادُ في الإسلام ثلاثة فقط وهي: عيد الفطر ويأتي عَقب انقضاء صوم شَهْرِ رمضان، وعيد الأضحى في ختام عشر ذي الحجة، وهذان العيدان يتكرران كل عام، وهناك عيد ثالث يأتي في ختام كل أسبوع وهو يوم الجمعة. وليس في الإسلام عيد بمناسبة مرور ذكرى غزوة بدر الكبرى ولا غزوة الفتح ولا غيرها مِن الغزوات العظيمة التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً. (شرح زاد المستنقع لابن عثيمين ج5 ص145) .

حكمة مشروعية العيدين:

اللهُ تَعَالَى شَرَعَ العيدين لِحكمٍ جليلة سامية، فبالنسبة لعيد الفطر، فإن الناس أدوا فريضة من فرائض الإسلام وهي الصيام، فجعل لهم اللهُ عز وجل يوم عيد يفرحون فيه ويفعلون مِنَ السرور واللعب المباح ما يكون فيه إظهار لهذا العيد، وشكر لله عز وجل لهذه النعمة، فيفرحون لأنهم تخلصوا بالصوم مِن الذنوب والمعاصي التي ارتكبوها.

لأن مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

ولذا جعل اللهُ تَعَالَى عيد الفطر ليفرح المسلم بنعمة مغفرة الذنوب ورفع الدرجات وزيادة الحسنات بعد هذا الموسم مِنَ الطاعات.

وأما بالنسبة لعيد الأضحى فإنه يأتي بعد عَشر ذي الحِجَّة التي يُسَن فيها للإنسان الإكثار مِنَ الطاعات وذِكْر اللهِ وفيها يوم عَرَفة الذي أَخبرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن صيامه يُكَفِر ذنوب سنتين. وأما بالنسبة للحُجَّاج الواقفين على جبل عَرفة فإن اللهَ يَطَّلِعُ عليهم ويُشهِدُ الملائكة بأنه قد غَفَرَ للمخلصين منهم ذنوبهم، فكان يوم عيد الأضحى الذي يلي يوم عَرَفَة يوم عيد للمسلمين يفرحون فيه بمغفرة الله تَعَالَى لذنوبهم ويشكرونه على هذه النعمة العظيمة. (شرح زاد المستنقع لابن عثيمين ج5 ص211):

صلاة العيدين:

شُرِعَتْ صلاة العيدين في السنَة الأولى مِن هجرة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رَوَى أبو داودَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ". (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 1004).

حكم صلاة العيد:

صَلاةُ العيد سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَاظبَ عليها نبينا محمدٌ والخلفاءُ مِن بَعده. (الإقناع لابن المنذر ج1 ص109) ( الاستذكار لابن عبد البر ج7 ص12) (المحلى لابن حزم ج5 ص89).

* رَوَى الشيخانِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا". (البخاري حديث 1891/ مسلم حديث 11).

قال الإمَامُ النووي: جماهير العلماء مِنَ السَّلَف والخَلَف على أن صلاة العيد سُنَّةٌ (المجموع للنووي ج5 ص2).

وقت صلاة العيد:

يبدأ وقتُ صلاة العيد بعد شروق الشمس بربع ساعة تقريباً، وينتهي قبل وقت الظهر بربع ساعة تقريباً. (شرح زاد المستنقع لابن عثيمين ج5 ص154).

تقديم الصلاة في عيد الأضحى وتأخيرها في عيد الفطر:

قال ابنُ قُدامة: يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى؛ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ؛ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ إخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

(المغني لابن قدامة ج5 ص267).

مكان إقامة صلاة العيد:

مِنَ السُّنَّة إقامة صلاة العيدين في فضاءٍ واسعٍ قريبٍ، خارج البلد، لئلا يشق على الناس الذهاب إليه.

* رَوَى البخاريُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ". (البخاري حديث 956).

تعدد أماكن مصلى العيد:

يجوز تَعدد أماكن مُصَلَّى العيد في البلد الواحد عند الحاجة. فإذا شَقَّ على الناس الاجتماع في مُصَلَّى واحد، إما لكثرتهم أو لخوف فتنة بين الناس، أو لبعد المسافة بين طرفي المدينة، أو ما أشبه ذلك مِنَ الأسباب، جَاز لهم تعدد أماكن مُصَلى العيد. (مجموع فتاوى ابن تيمية ج24 ص208).

إقامة صلاة العيد في المساجد:

يجوز إقامة صلاة العيدين في المسجد بسبب العذر، مثل: البرد الشديد أو المطر. أو الرياح الشديدة، أو الخوف على النفس أو المال، أو بسبب المرض الذي يمنع المسلم مِنَ الخروج إلى مُصَلى العيد.

قال ابنُ أبي شيبة حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ. (صحيح) (مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص89).

آداب الخروج إلى مصلى العيد:

(1) الاغتسال والتطيب وارتداء أفضل الثياب.

الغسل يكون بعد طلوع فجر يوم العيد. (المغني لابن قدامة ج3 ص258).

فائدة: وَضْعُ العطور يكون للرجال فقط، لأن نبينا محمد نهى المرأة أن تضع العِطْرَ إذا خرجت مِن بيتها، ولو كان خروجها لأداء الصلاة، خشية الفتنة بها.

رَوَى مسلمٌ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ : "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا". (مسلم حديث 142).

(2) الأكل في عيد الفطر قبل الصلاة في عيد الأضحى بعد الصلاة.

رَوَى البخاريُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ". (البخاري حديث 953).

رَوَى الترمذيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ". لثياب:(صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 447).

(3) التبكير إلى مصلى العيد:

رَوَى ابنُ أبي شيبة عَنْ نَافِعٍ قَالَ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ، ثُمَّ يَغْدُو كَمَا هُوَ إِلَى الْمُصَلَّى". (إسناده صحيح) (مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص69).

(4) الذهاب إلى مصلى العيد سيراً على الأقدام:

رَوَى ابنُ مَاجَه عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَيَرْجِعُ مَاشِيًا". (حديث حسن) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 1071).

هذا إذا كان مُصَلَّى العيد قريباً، ولا يشق المشي إليه، فإن احتاج المسلم إلى ركوب وسائل المواصلات فلا حَرجَ في ذلك.

(5) الخروج إلى مصلى العيد من طريق والرجوع من أخرى.

رَوَى أبو داودَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ ثُمَّ رَجَعَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ". (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 1025).

(6) خروج النساء والصبيان إلى مصلى العيد:

الإسلام يساير الفطرة البشرية السليمة، فأباح للنساء حتى الحيض الذهاب إلى المصلى ويُباحُ كذلك للصبيان مشاركة الرجال والنساء بهجة العيد، وبالنسبة للمرأة يُشترط ألا تخرجَ مُتبرجة ولا مُتعطرة، ولا بثياب تلفت أنظار الرجال إليها، ولا تختلط بالرجال مِن غير المحارم، ولا تصافح غير محارمها، ولا ترفع صوتها بالتكبير إلا بقدر ما تُسْمِع نفسها أو مَن معها مِنَ النساء أو مِن محارمها.

رَوَى البخاريُّ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ". (البخاري حديث 971).

(7) غض البصر والابتعاد عن الاختلاط بين الرجال والنساء.

(8) الجهر بالتكبير حتى خروج الإمام لصلاة العيد.

(9) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.

صلاة العيد ليس لها سُّنة قبلها ولا بعدها:

إذا وَصَلَ المسلمُ إلى مُصَلى العيد فإنه يجلس مباشرة ويُكبرُ اللهَ تَعَالَى جَهراً وليعلم أن مُصَلَّى العيد ليست مسجداً، وعلى ذلك لا يُشرع لها صلاة تحية المسجد، وليعلم المسلم أن صلاة العيدين ليس لها سُنَّة قبلها ولا بعدها. (المغني لابن قدامة ج3 ص282).

رَوَى الشيخانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا". (البخاري حديث 964 / مسلم حديث 884).

صلاة العيد ليس لها أذان ولا إقامة:

رَوَى مسلمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ". (مسلم حديث 887).

قال ابن القيم: *كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إذَا انْتَهَى إلَى الْمُصَلّى أَخَذَ فِي الصّلَاةِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا قَوْلٍ الصّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَالسّنّةُ أَنّهُ لَا يُفْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ*.

(زاد المعاد لابن القيم ج1 ص442).

صفة صلاة العيد:

صلاةُ العيد ركعتان، ويُسَنُّ للمسلم أن يُكبرَ في الركعة الأولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام للركعة الثانية مع رَفْع اليدين عند كل تكبيرة. (المغني لابن قدامة ج3 ص271).

إذا شَك المسلم في عَدَدِ التكبيرات، بني على الأقل، ويُسَنُّ للمسلم أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة الأعلى، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة بسورة الغاشية، أو أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة ق وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة بسورة القمر، ويُسَنُّ أن يجهرَ الإمامُ بالتكبير والقراءة.

(مسلم حديث 878 /حديث 891).

رَوَى أبو داودَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا". (صحيح).

(صحيح أبي داود للألباني حديث 1018).

روى عبد الرزاق عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يَرْفَعُ الْإِمَامُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَهَذِهِ التَّكْبِيرَةِ الزِّيَادَةَ فِي صَلَاةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَرْفَعُ النَّاسُ أَيْضًا". (إسناده صحيح). (مصنف عبد الرزاق ج3 ص297 9).

الدخول في الصلاة أثناء تكبيرات الإمام:

إذا حضرَ المسلمُ إلى صلاة العيد أثناء تكبيرات الإمام فإنه يُكبر تكبيرة الإحرام أولاً ثم يتابع الإمام فيما بقي مِن التكبيرات، ويسقط عنه مَا مضى.

(المغني لابن قدامة ج3 ص275).

خطبة العيد:

يُسَنُّ للإمَام بعد أداء صلاة العيد أن يخطبَ في الناس خطبة واحدة جَامعة، وليس خُطبتين. ويُؤيدُ ذلك قَوْلُ البخاريِّ في كتاب العيدين: (باب الخروج إلى المصلى بغير منبر). ومِنَ المعلوم أن النبيَّ لو كان يجلس بين الخطبتين في صلاة العيدين، فإنه يحتاج إلى منبر، أو كرسي ليجلس عليه، ولم ينقل أحَدٌ مِنَ

الصحابة أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان يجلس في خُطبة العيدين، ولا تُقاسُ خُطبة العيد على خُطبة الجمعة، لأن لكل منهما أحكامٌ خاصة.

قال الإمَامُ ابن عثيمين (رَحِمَهُ اللهُ):مَنْ نظر في السُّنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يخطب إلا خُطبة واحدة.

(الشرح الممتع على زاد المستقنع ج 5ص 107).

يُسَنُّ للمسلم إذا حَضَرَ الصلاة مع الإمام أن يُنْصت للخطبة، وإذا أراد أن ينصرف بعد الصلاة مباشرة فلا شيء عليه. روى أبو داودَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: "شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ".(حديث صحيح ) ( صحيح أبي داود للألباني حديث 1024).

العجز عن سماع خطبة العيد:

مَنْ لم يتمكن مِن سماع خُطبة الإمام، إمَّا لبعده، أو لانقطاع الكهرباء فجأة، أو لضعف في السمع فإنه يذكر الله تَعَالَى بما ورد عَن النبي بحيث لا يشوش على جيرانه مِنَ المصلين، ويستمر في هذا الذكْر حتى ينتهي الإمام مِن خُطبته.

قضاء صلاة العيد:

يُستحبُ لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يقضيها في نفس اليوم، على هيئتها وبنفس العَدَدِ مِن التكبيرات ولكن بدون خطبة، وذلك قبل خروج وقتها، أي قبل أذان الظهر بربع ساعة تقريباً. (الأم للشافعي ج1 ص240).

رَوَى عَبْدُ الرزاق عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْفِطْرِ صَلَّى كَمَا يُصَلِّي الْإِمَامُ. قَالَ مَعْمَرٌ: إِنْ فَاتَتْ إِنْسَانًا الْخُطْبَةُ، أَوِ الصَّلَاةُ يَوْمَ فِطْرٍ، أَوْ أَضْحَى ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ". (إسناده صحيح) ( مصنف عبد الرزاق ج2 ص300).

التهنئة بالعيد:

العيد مناسبة مباركة يجمع الله بها شمل المسلمين ويؤلف بين قلوبهم، فيقابل بعضهم بعضاً في مُصَلَّى العيد أو في المساجد أو في الطرقات وفي الأسواق فيتصافحون، ابتغاء وجه الله تَعَالَى وطمعاً في مغفرته واتباعاً لسُنَّة نبينا .

* قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: *كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ*.(فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج2 ص517)

اجتماع العيد مع الجمعة:

إذا اجتمعَ العيدُ مَع الجمعة في يوم واحدٍ، سقطت الجمعة عَنْ مَنْ صَلى العيد، وتكفيه صلاة الظهر، ويُستحبُ للإمام أن يقيمَ الجمعة ليشهدها مَن شاء شهودها ومَن لم يُصَل العيد. (فتاوى دار الإفتاء المصرية ج1 رقم 16 ص71: ص73).

* رَوَى أبو داودَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ. (حديث صحيح)

(صحيح أبي داود للألباني حديث 948)

قال الإمَامُ ابن تيمية: الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ لَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ لِيَشْهَدَهَا مَنْ شَاءَ شُهُودَهَا وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ. وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ: كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.

(فتاوى ابن تيمية ج24 ص211).

التكبير في العيدين:

يُسَنُّ للرجال والنساء والأطفال الجهر بالتكبير في المساجد والبيوت والأسواق، والمرأةُ تُكَبِّرُ بِقَدْرِ ما تُسْمِع نفسها أو مَن معها مِنَ النساء أو محارمها الرجال.

قال البخاريُّ: *كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ (خيمته) بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا، وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ*. (البخاري كتاب العيدين باب 12).

رَوَى البيهقيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللهِ، وَالْعَبَّاسِ، وَعَلِيٍّ، وَجَعْفَرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ". (حديث حسن) (إرواء الغليل للألباني ج3 ص123).

أنواع التكبير:

التكبير نوعان: مُطْلَقٌ ومُقَيدٌ. التكبير المطلق: هُوَ مَا يكون في جميع الأوقات. التكبير المقيد: هُوَ مَا يكون عَقب الصلوات المفروضة.

(المغنى لابن قدامة ج3 ص256).

وقت التكبير في عيد الفطر:

يبدأ التكبير في عيد الفطر مِن ليلة العيد حتى خروج الإمام إلى صلاة العيد.

وقت التكبير في عيد الأضحى:

يبدأ التكبير مِن فَجر يوم عرفة إلى آخِر أيام التشريق. وينتهي آخر أيام التشريق بعد غروب شمس يوم الثالث عشر من ذي الحجة.

(مجموع فتاوى ابن تيمية ج24 ص220).

صيغة التكبير:

(1) اللَّهُ أَكْبَرُ،اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ،لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

(2) اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

(3) اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص73).

العيد موسم لأعمال البر:

العيدُ مناسبةٌ مباركةٌ، ينبغي على كل مسلم أن يستفيد منها، ليرفع رصيده مِنَ الحسنات وذلك بمزيد مِن القُرُبَات لله تَعَالَى ومنها: بر الوالدين وصلة الأرحام وزيارة الجيران والأصدقاء ومواساة الأيتام والفقراء والصلح بين الناس.

زيارة المقابر يوم العيد:

اللهُ تَعَالَى شَرَعَ لنا العيدين لكي نفرح ونبتعد عَن الأحزان، ولذا فإن قيام كثير مِنَ المسلمين بزيارة المقابر عَقِب صلاة العيدين، مُخالفٌ لسُنَّة نبينا . كان النبيُّ يخرج مع الصحابة إلى صلاة العيد، وكان يذهب مِن طريق ويرجع مِن أخرى، ولم يثبت أنه زار قبراً في ذهابه أو عودته, مع وقوع المقابر في طريقه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق