بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
كتاب الزيارات للقاضي محمود العدوي (ت ١٠٢٢ ه)، أحد مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، قام بتحقيقه أستاذنا الدكتور صلاح الدين المنجد، فأضاف بتحقيقه له درة نفيسة إلى عقد كتب التراث التي حققها وقد جاوزت المئة، واعتمد في تحقيق هذا الكتاب نسخة فريدة ليس لها أخت، ذكر (بروكلمن) أنها في مكتبة (رامبور) بالهند. وصورها معهد المخطوطات العربية، وقد جاء في الورقة الأخيرة من المخطوطة (ب ٤٣) ما يلي:
نقلته من نسخة بخط ولد المصنف القاضي إسماعيل العدوي حفظه الله، وذلك في سنة سبعين وألف على يد الحقير أحمد، الإمام بجامع الدرويشية عفي عنه.
وقال المحقق الدكتور صلاح الدين المنجد في ترجمته للناسخ: إنه كان إمامًا في جامع الدرويشية بدمشق، ثم قال إنه لم يعثر على ترجمة له.
وهذه كلمات في ترجمة الشيخ أحمد، استأنف بها عمل الدكتور المنجد من حيث انتهى إليه. أرجو إن تقع موقعها من كل مشتغل بهذا التراث، يرى إن الجهد المبذول فيه على كثرته وجلالة أقدار أصحابه، لا يزال في أوائله، بالقياس إلى ما يمكن عمله في مادة وافرة وفرة لا تقوى عليها الجماعات في الزمن الواحد بله الأفراد.
وهذا الذي أذكره من أمر الشيخ أحمد أحد أئمة مسجد الدرويشية في المئة الحادية عشرة، حلّ عليه هوى التتبع، وحملت عليه المعرفة بإمام هذا المسجد الآن، إذ كان ما انتهت إليه مساءلتي إياه مقدمة وصلتها بما تيسر لي إن أقف عليه من مراجع هذا الشأن.
قال الشيخ عبد الوكيل الدروبي إمام مسجد الدرويشية: إنه هو الشاعر أحمد الصفدي أحد أقران العلامة الشيخ عبدالغني النابلسي الدمشقي (ت ١١٤٣ ه). وأصدقائه. وقد ورد اسم الصفدي في كتاب «شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق» للقاضي يوسف بن إسماعيل النبهاني (الطبعة اليمنية) (ص ١٩٩)، وقد استشهد باستغاثته وقوله:
يا شافع الخلق في يوم الزحام أغث
من جاء بالذنب والعصيان ينتحب
عليك صلى إله العرش خالقنا
والآل من للمعالي كلها خطبوا
وقد عدت إلى المراجع، والمصادر أستقربها، فوجدت ترجمة للصفدي في «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» (١ / 2٥٦): لمحمد بن فضل الله المحبي، صديق الشيخ الصفدي، وقرينه، كما وجدت ترجمة له في مخطوطة عندي فيها مجموع رسائل أحدها ثبت الشيخ يوسف بن حسين (النقيب) الدمشقي (ت ١١٥٣)، نقيب الأشراف، ومفتي الحنفية بحلب، وأحد تلاميذ الشيخ الصفدي، وقد سمى ثبته (كفاية الراوي والسامع وهداية الراوي والسامع).
ففي هذين المصدرين وجدت ضالتي المفقودة، وبغيتي المنشودة، فهو الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الصفدي، الدمشقي الموطن، الشافعي، ثم الحنفي، الأديب الفاضل، واللبيب الشاعر.
مولده:
ولد بصفد نحو سنة 1040ه، وقدم دمشق ولم يجاوز العشرين، فأقام بدمشق مشتغلًا بعلم القراءات، ونسخ الكتب، وكتب كثيرًا.
أساتذته وشيوخه:
تلقى الصفدي العلم عن علماء عصره، فمن شيوخه (منصور الصطوحي)، والشيخ (عبدالقادر الصفوري) واستجازهما، فأجازاه بما لهما. ثم ارتحل إلى الحرمين الشريفين، وأخذ بمكة المكرمة عن الشيخ عبدالعزيز المكي سبط ابن حجر الهيتمي، وأجازه، ثم عن عالم مكة محمد بن سليمان الغربي، المالكي، ثم أخذ الإجازة من محدث دمشق شيخ الإسلام النجم الغزي، وعن شيخ الحنفية الشيخ خير الدين الرملي، وعن العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي، والد الشيخ عبدالغني النابلسي، ومن أساتذته العلامة محمد المحاسني، خطيب الجامع الأموي بدمشق، والمحدث الفقهي عبدالباقي الحنبلي البعلي، ومحدث حلب الشيخ وفا العرضي، الشافعي، والمحدث الصوفي أحمد القشاشي (نسبة إلى القشاشة وهي بيع سقط المتاع) الدجاني، المدني، والعلامة أبو السعود الشعراني، والنحوي الأصولي الشيخ يحيى المغربي، الشاوي، المالكي، والفقيه رمضان بن موسى العطيفي وغيرهم.
وظائفه:
عمل الشيخ الصفدي شاهدًا بالمحكمة الكبرى، ومحكمة الباب، ودرّس بالمدرسة العمرية، بالصالحية بدمشق، وصار إمامًا بجامع المرحوم درويش باشا، وخطيبًا بجامع الآغا (بالمناخلية). ثم سافر إلى الروم، ونال جهات، ومعاليم. وكانت أكثر إقامته بالخلوة التي كانت في جامع الدرويشيّة يدرس فيها القراءات، والحديث، والعقائد، والفقه، والأدب.
شعره:
يقول الشاعر محمد بن فضل الله المحبي صاحب (خلاصة الأثر) عن شعر الشيخ أحمد الصفدي: "وشعره عليه مسحة من الطلاوة، وبالجملة فهو من ينوه بذكره، ولا يهمل إيراد شعره"، فهو كثير الشعر، ندي القلم.
ولما سرق ديوان الشيخ أحمد الصفدي. جمع ديوانًا آخر أكثره من شعره المنظوم بعد ذلك، وقد ظفر في مسوداته ببعض المرسوق، فألحقه به. فكان الشيخ محمد المحبي (صاحب الخلاصة) يداعبه كلما قرأ له شعرًا من الديوان المذكور ويقول له: "أظن هذا من الشعر المسروق".
فيفطن الشيخ الصفدي للغرض والتروية ويبتسم.
وقد أجاز تلميذه الشيخ يوسف بن حسين (النقيب) بمنظومته في العقائد التي سماها الفرائد السنية للعقائد السنية، أجازة نظمًا وأرخ ختمه لها سنة ثلاث وتسعين وألف، وهذه أبيات من تلك الإجازة.
حمدًا لمن حبا كمال المعرفة
نبيه محمدًا وشرفه
لا سيما أئمة العقائد
الواردين أطيب الموارد
وإن ممن جد فيها واجتهد
ونال منها سؤله وما قصد
ولد العزيز (يوسف التقي)
السيد الفرد الأغر المرتقي
فإنه لازمني في حجرتي
وقد قرأ علي حسب قدرتي
منظومة الفرائد السنية
في معظم العقائد السنية
ومن مستظرفاته ما كتبه لصديقه الشيخ عبدالغني النابلسي، يستدعيه إلى روض، وأرخ الدعوة بقوله:
مجلسنا عبدالغني نزهة
لناظر خال عن الخوض
فشرفونا واحضروا عندنا
فنحن في التاريخ روض
ومن مراسلاته مع المحبي صاحب الخلاصة، عندما كان المحبي مقيمًأ بالروم، قصائد منها قوله:
على الحبر الأجل المستقيم
طراز الجود، ذي الفضل العميم
كثير الخير، مفتاح العطايا
شريف النفس، والنفس الكريم
محمد الأمين ومن تسامى
بديع الصنع، ذي النظر السليم
وقد أجابه المحبي بقصيدة منها:
تذكر لذة العيش المقيم
فحن لذلك العهد القديم
وبات مؤرقًا يطوي ضلوعًا
على شغف بشادنه الرخيم
تآليفه:
له منظومة في العقائد سماها (الفرائد السنية في العقائد السنية)، شرحها العلامة الشيخ عبدالغني النابلسي في ثلاثة مجلدات واختصرها الصفدي في مجلد واحد. وللشيخ كتاب جمع فيه ألف حديث رتبه على حروف المعجم. كما إن له ديوان شعر سُرِق منه، ثم عاد فجدده.
أخلاقه:
كان الشيخ أحمد الصفدي غاية في حسن الخلق، سخي الطبع، لطيف المعاشرة، طريف النكتة، والنادرة، كثير الشعر، ندي القلم.
وفاته:
توفي الشيخ أحمد الصفدي رحمه الله تعالى نهار الجمعة في السادس عشر من ربيع الثاني سنة مئة وألف للهجرة / 1100ه، ودفن في مقبرة باب الصغير، ولم يجاوز الستين بكثير.
ورثاه صديقه المحبي بقوله:
لهفي على الصفدي فرد الدهر من
لعلاه كف المكرمات تثير
طود الفضائل دكه حكم القضا
فالأرض من أقصى التخوم تمور
فانظر ترى عجبًا وقد ساروا به
جبلًا غدا فوق الرجال يسير
هذا هو الشيخ أحمد الصفدي، كالبدر في سماء القرن الحادي عشر الهجري، ينير الطريق بمؤلفاته، وشعره، ونسخه، الذي لولا أقلام الباحثين أمثال أستاذنا الدكتور صلاح الدين المنجد، لما تسنى لنا إن نعرف شيئًا من آثاره، وأن يقتفي الأحفاد آثار الأجداد في نبش هذه الكنوز من الكتب التي سهرت في جمعها عيون، وأنفقت في كتابتها وصيانتها عيون.