بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الْغَضَبُ طبيعة بشرية، وله آثارٌ على المسلم في الدنيا ويوم القيامة. لذلك، أحببت تذكير نفسي والأحباب الكرام بأنواع الغضب وأسبابه وعلاجه، فأقول وبالله تعالى التوفيق:
معنى الغضب:
* الْغَضَبُ: هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ طَلَبًا لِلانْتِقَام. (التعريفات للجرجاني ص209).
أنواع الغضب:
الْغَضَبُ نوعان: غضبٌ مَحْمُودُ وغضبٌ مَذْمُومُ.
* الغَضَبُ الْمَحْمُودُ: هُوَ مَا كَانَ فِي جَانِبِ الدِّينِ وَالْحَقِّ.
* الغَضَبُ الْمَذْمُومُ: هَوَ مَا كَانَ فِي غَيْرِ الحَقِّ.
أولا: الغضب المحمود:
المقصود بالغضب المحمود هو إن يغضب المسلمُ عندما تُنْتهكُ حرمات الله سبحانه وتعالى. كان نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا عَلِم أو رأى شيئًا فيه انتهاك لحرمات الله، اشتد غضبه واحمر وجهه لذلك.
(1) رَوَى البخاريُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ". (البخاري حديث 704).
(2) رَوَى الشيخانِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ، فِي أَمْرٍ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ، فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ، فَوَاللهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً". (البخاري حديث: 6101/ مسلم حديث: 2356).
(3) رَوَى البخاري عن عَائِشَةَ قالت: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ، هَتَكَهُ وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ". (البخاري حديث 5954).
(4) رَوَى الشيخانِ عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: "إن قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ إن فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". (البخاري حديث: 4304 / مسلم حديث: 1688)
ثانيًا: الغضب المذموم:
المقصود بالغضب المذموم: هو الْغَضَبُ للنفس. وهذا النوع مِنَ الْغَضَبِ حذرنا منه نبينا محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* رَوَى البخاريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إن رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا. قَالَ: لَا تَغْضَبْ". (البخاري حديث 6116).
* قَالَ ابنُ التِّينِ (رَحِمهُ اللهُ): جَمَعَ ﷺ فِي قَوْلِهِ (لَا تَغْضَبْ) خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِأَنَّ الْغَضَب يَؤُولُ إلى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ وَرُبَّمَا آلَ إلى إن يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ. (فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج10 ص536).
* رَوَى الشيخانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". (البخاري حديث 6114 / مسلم حديث 2609).
* قال العسقلاني (رَحِمهُ اللهُ): قَوْلُهُ (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) أي: الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ. (فتح الباري ج10 ص535).
ثمرات كَظْمِ الغيظ:
* قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آلِ عِمْرَانَ: 133: 134).
* قَالَ الشيخ: جمال الدين القاسمي (رَحِمهُ اللهُ): دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى إن الْكَاظِمِينَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ مَغْفِرَةَ رَبِّهِمْ تَنَالُهُمْ، وَجَنَّتَهُ أُعِدَّتْ لَهُمْ، فَمَا أَفْضَلَ هَذَا الْجَزَاءَ. (موعظة المؤمنين للقاسمي ص209).
نبينا ﷺ لا يغضب لنفسه:
* رَوَى مسلمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا إن يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا إن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". (مسلم حديث 2328).
* رَوَى البخاريُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً. قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ". (البخاري حديث 3149).
أقوال سلفنا الصالح في الغضب المذموم:
(1) قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ: يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَكَثْرَةَ الْغَضَبِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْغَضَبِ تَسْتَخِفُّ فُؤَادَ الرَّجُلِ الْحَلِيمِ.
(الزواجر لابن حجر الهيتمي ج1 ص86).
(2) كَانَ عُمَرُ بنُ الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَفْلَحَ مَنْ حُفِظَ مِنَ الْهَوَى وَالطَّمَعِ وَالْغَضَبِ.
(الزواجر لابن حجر الهيتمي ج1 ص87).
(3) قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اُنْظُرُوا إلى حِلْمِ الرَّجُلِ عِنْدَ غَضَبِهِ وَأَمَانَتِهِ عِنْدَ طَمَعِهِ، وَمَا عِلْمُكَ بِحِلْمِهِ إذَا لَمْ يَغْضَبْ، وَمَا عِلْمُك بِأَمَانَتِهِ إذَا لَمْ يَطْمَعْ. (الزواجر لابن حجر الهيتمي ج1 ص86).
(4) كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (رَحِمهُ اللهُ) إلى عَامِلِهِ: لَا تُعَاقِبْ غَضَبَك بَلْ احْبِسْهُ فَإِذَا سَكَنَ غَضَبُك عَاقِبْهُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ وَلَا تُجَاوِزْ بِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَوْطًا. (الزواجر لابن حجر الهيتمي ج1 ص87).
(5) قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمهُ اللهُ): الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ. (الزواجر لابن حجر الهيتمي ج1 ص86).
(6) قَالَ خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرحمن (رَحِمهُ اللهُ): كَانُوا يَقُولُونَ: إن الشَّيْطَانَ يَقُولُ: كَيْفَ يَغْلِبُنِي ابْنُ آدَمَ، إِذَا رَضِيَ كُنْتُ فِي قَلْبِهِ، وَإِذَا غَضِبَ طِرْتُ حَتَّى أَكُونَ فِي رَأْسِهِ. (حلية الأولياء للأصبهاني ج4 ص117).
(7) قيل لعبد الله بن المبارك (رَحِمهُ اللهُ): أجمل لنا حُسْن الخلُق في كلمة. فقال: اترك الغضب. (إحياء علوم الدين للغزالي ج3ص260).
(8) قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمران: 39). السَّيِّدُ: الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ. (الزواجر ج1 ص87).
(9) قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَطَاعَ شَهْوَتَهُ وَغَضَبَهُ قَادَاهُ إلى النَّارِ. (الزواجر لابن حجر الهيتمي ج1 ص87).
(10) قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: يَعْظُمُ الذَّنْبُ عِنْدَ الْغَضَبِ. (مساوئ الأخلاق للخرائطي ص151).
أسباب الغضب المذموم:
أَسْبَابِ الْغَضَبِ الْمُهَيِّجَةُ لَهُ هِيَ: الزَّهْوُ، وَالْعُجْبُ، وَالْمِزَاحُ، وَالْهَزْلُ، وَالْهُزْءُ، وَالتَّعْيِيرُ، وَالْمُمَارَاةُ، وَالْمُضَادَّةُ، وَالْغَدْرُ، وَشِدَّةُ الْحِرْصِ عَلَى حُصُولِ الْمَالِ وَالْجَاهِ.
* هَذِه الأسْبَابُ أَخْلَاقٌ رَدِيئَةٌ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا، وَلَا خَلَاصَ مِنَ الْغَضَبِ مَعَ بَقَاءِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَتِهَا بِأَضْدَادِهَا، فَيَنْبَغِي إن تُمِيتَ الزَّهْوَ بِالتَّوَاضُعِ، وَتُمِيتَ الْعُجْبَ بِمَعْرِفَتِكَ بِنَفْسِكَ، وَتُزِيلَ الْفَخْرَ بِأَنَّكَ مِنْ جِنْسِ أَقَلِّ مَخْلُوقٍ، إِذِ النَّاسُ يَجْمَعُهُمْ فِي الِانْتِسَابِ أَبٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الْفَخْرُ بِالْفَضَائِلِ، وَالْفَخْرُ وَالْعُجْبُ أكبر الرَّذَائِلِ، وَأَمَّا الْمِزَاحُ فَتُزِيلُهُ بِالتَّشَاغُلِ بِالْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ الْعُمْرَ وَتَفْضُلُ عَنْهُ، وَأَمَّا الْهَزْلُ فَتُزِيلُهُ بِالْجِدِّ فِي طَلَبِ الْفَضَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تُبْلِغُكَ إلى سَعَادَةِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْهُزْءُ فَتُزِيلُهُ بِالتَّكَرُّمِ عَلَى إِيذَاءِ النَّاسِ، وَبِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ إن يُسْتَهْزَأَ بِكَ، وَأَمَّا التَّعْيِيرُ فَبِالْحَذَرِ عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ، وَصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ مُرِّ الْجَوَابِ، وَأَمَّا شِدَّةُ الْحِرْصِ فَبِالصَّبْرِ عَلَى مُرِّ الْعَيْشِ، وَبِالْقَنَاعَةِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِعِزِّ الِاسْتِغْنَاءِ، وَتَرَفُّعًا عَنْ ذُلِّ الْحَاجَةِ.
(إحياء علوم الدين للغزالي ج3 ص268).
آثار الإفراط في الغضب:
الغضب الشديد المفْرط له آثارٌ ضارة وخطيرة على الإنسان نستطيع إن نوجزها في الأمور التالية:
آثار الغضب على الجسد:
مِن آثار الغضب في ظاهر جسم الإنسان: تغير اللون، وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزَبّدُ على الأشداق، وتحمر الأحداق، وتنقلب المناخر، ولو رأى الغضبان في حاله غضبه، قبح صورته لسكن غضبه حياء من قُبْح صورته واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم مِن قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قبحت صورة الباطن أولًا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيًا، فتغير الظاهر ثمرةُ تغير الباطن وذلك نتيجة لشدة الغضب.
آثار الغضب على اللسان:
الْسَّبُّ، وَالْشَّتْمُ، وَالْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ، وَالْشَّمَاتَةُ، وَالْتَّعْييرُ، وَالاسْتِهْزَاءُ، وَالْغِيْبَةُ، وَإِفْشَاءُ الْسِّرِّ، وَهَتْكُ الْسِّتْرِ عَنِ الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِ.
آثار الغضب على الأعضاء:
وأما أثر الغضب على الأعضاء، فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجُرْح للمغضوب عليه، عند التمكن مِن غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي، رجع الغضب على صاحبه فمزق ثوب نفسه، ولطم نفسه، وقد يضرب بيده على الأرض، ويعدو مِثل السكران، والمدهوش المتحير، وربما يسقط سريعًا لا يطيق العَدْو والنهوض بسبب شدة الغضب، ويعتريه مثل الغشْية، وربما يضرب الجمادات والحيوانات، فيضرب القصعة مثلًا على الأرض، وقد يكسر المائدة إذا غضب عليها، وقد يقوم بأفعال المجانين، فيشتم البهائم والجمادات ويخاطبها كأنه يخاطب عاقلًا.
آثار الغضب على القلب:
وأما أثر الغضب في القلب مع المغضوب عليه، فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر وهَتْك السِّتْر، وغير ذلك مِن القبائح. (إحياء علوم الدين ج3 ص262).
أضرار الغضب المذموم:
نستطيع إن نوجز أضرار الغضب المذموم في الأمور التالية:
(1) يغضب الرّحمن الرّحيم ويرضي الشّيطان الرّجيم.
(2) الصّبر عليه أشدّ وأصعب مِن مجاهدة العدوّ.
(3) يؤدي إلى التّقاطع وإفساد ذات البين.
(4) يجعل صاحبه لا يستفيد مِن الموعظة.
(5) كثيرًا ما يعقبه الاعتذار والنّدم، وقد يكون بعد فوات الأوان.
(6) ينفر الناس منه ويخافون من الاقتراب منه.
(7) يتولّد منه الحقد والحسد وهذا نقص في العقل والدّين. (موسوعة نضرة النعيم ج11 ص5097).
وسائل علاج الغضب:
نستطيع إن نوجز وسائل علاج الغضب في الأمور التالية:
(1) يقول المسلم عند غضبه: {أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.
* رَوَى الشيخانِ عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ". (البخاري حديث: 6115/ مسلم حديث: 2610).
* مَعْنَى: {أَعوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.
أَيْ: أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إن يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ، أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ. (تفسير ابن كثير ج1 ص 114).
(2) الصمت وعدم الكلام:
* رَوَى الشيخانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ". (البخاري حديث: 6475/مسلم حديث: 47).
* رَوَى أحمدٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ". (حديث حسن لغيره) (مسند أحمد ج4 ص39 حديث: 2139).
(3) إن كان الإنسانُ قائمًا فليجلس، وإن كان جالسًا فليضطجع.
* رَوَى أبو داودَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا: "إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ، فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ". (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث: 4000).
(4) الإسراع إلى الوضوء، لأن المسلم إذا بدأ في الوضوء ذكر الله فَيُطردُ الشيطان بإذن الله تعالى.
(5) يفكر المسلمُ في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم، فيرغب في ثوابه، فتمنعه شدة الحرص على ثواب كظم الغيظ عن التشفي والانتقام وينطفئ عنه غيظه.
* قال اللهُ تعالى لنبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" (الأعراف: 199).
* وقال الله سبحانه وتعالى، وهو يتحدث عن صفات عباده المتقين: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134).
* رَوَى أبو داودَ عَنْ مُعَاذٍ بنِ جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إن يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ". (حديث صحيح). (صحيح أبي داود للألباني حديث: 3997).
(6) يُخَوِّفَ المسلمُ نَفْسَهُ بِعِقَابِ اللَّهِ لَوْ أَمْضَى غَضَبَهُ، وَهَلْ يَأْمَنُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إلى الْعَفْوِ.
(7) إن يُحَذِّرَ نَفْسَهُ عَاقِبَةَ الْعَدَاوَةِ وَالِانْتِقَامِ، وَتَشَمُّرَ الْعَدُوِّ لِمُقَابَلَتِهِ، وَالسَّعْيِ فِي هَدْمِ أَغْرَاضِهِ، وَالشَّمَاتَةِ بِمَصَائِبِهِ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ الْمَصَائِبِ، فَيُخَوِّفُ نَفْسَهُ بِعَوَاقِبِ الْغَضَبِ فِي الدُّنْيَا إن كَانَ لَا يَخَافُ مِنَ الْآخِرَةِ.
(8) يُفَكَّرُ الإنسانُ فِي قُبْحِ صُورَتِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ، بِأَنْ يَتَذَكَّرَ صُورَةَ غَيْرِهِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ، وَيَتَفَكَّرَ فِي قُبْحِ الْغَضَبِ فِي نَفْسِهِ، وَمُشَابَهَةِ صَاحِبِهِ لِلْكَلْبِ الضَّارِي وَالسَّبُعِ الْعَادِي، وَيُفَكَّرُ في مُشَابَهَةِ الْحَلِيمِ الْهَادِي التَّارِكِ لِلْغَضَبِ، كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، وَيُخَيِّرَ نَفْسَهُ بَيْنَ إن يَتَشَبَّهَ بِالْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَأَرَاذِلِ النَّاسِ، وَبَيْنَ إن يَتَشَبَّهَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ فِي عَادَتِهِمْ؛ لِتَمِيلَ نَفْسُهُ إلى حُبِّ الِاقْتِدَاءِ بِهَؤُلَاءِ إن كَانَ قَدْ بَقِيَ مَعَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقْلٍ.
(9) يُفَكَّرَ الإنسانُ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَدْعُوهُ إلى الِانْتِقَامِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ، مِثْلَ قَوْلِ الشَّيْطَانِ لَهُ: إن هَذَا يُحْمَلُ مِنْكَ عَلَى الْعَجْزِ وَالذِّلَّةِ وَتَصِيرُ حَقِيرًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: مَا أَعْجَبَكِ! تَأْنَفِينَ مِنَ الِاحْتِمَالِ الْآنَ، وَلَا تَأْنَفِينَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَحْذَرِينَ مِنْ إن تَصْغُرِي عِنْدَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ. فَمَهْمَا كَظَمَ الْغَيْظَ فَيَنْبَغِي إن يَكْظِمَهُ لِلَّهِ، وَذَلِكَ يُعَظِّمُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَمَا لَهُ وَلِلنَّاسِ.
* رَوَى أبو داودَ عَنْ مُعَاذٍ بنِ جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إن يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ". (حديث صحيح). (صحيح أبي داود للألباني حديث: 3997).
(6) إن يخوف نفسه مِن عقاب الله تعالى، وذلك بأن يقول لنفسه: قدرة الله سبحانه وتعالى عَلىَّ أعظمُ مِن قدرتي على هذا الإنسان.
فلو أمضيت غضبي عليه لم آمَن إن يمضي اللهُ تعالى غضبه عَلىَّ يوم القيامة، فأنا أحوج ما أكون إلى عفو الله سبحانه في ذلك اليوم.
(7) يُحَذِّرُ المسلم نفسه عاقبة العداوة والانتقام، وأن عدوه له بالمرصاد، حيث يجتهد في الشماتة بمصائبه، فإن الإنسان لا يخلو من المصائب، فيخوف نفسه مِن عاقبة الغضب في الدنيا، وإن لم يخف مِن الآخرة.
(8) يفكر الإنسان في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه مِن كَظْم الغيظ مثل إن يكون سببُ غضبه إن يقول له الشيطان إن كظم الغيظ والعفو المسيء يُحمل منك على العجز، والذلّة والمهانة، وصغر النفس وأنك تصير صغيرًا في أعين الناس، فليقل لنفسه: تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة إذا أخذها هذا بيدك وانتقم منكِ، وتحذرين من إن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين إن تصغري عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين.
(9) يجب إن يعلم المسلم إن غضبه إنما كان مِن شيء جرى على وفق مراد الله تعالى، لا على وفق مراده، فكيف يقدم مراده على مراد الله تعالى، هذا ما يتعلق بالقلب. (مختصر منهاج القاصدين ص233: ص235).
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلاَ إن يَجْعَلَ هَذَا الْعَمَلَ خَالِصًَا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وأن ينفعَ به طلاب العِلْمِ الكِرَامِ.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين