بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
أُوصِيكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ: إن مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْعَظِيمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ إن عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ لِيَعْمُرَهَا، وَيَسْتَعِينَ بِمَا فِيهَا عَلَى مَا يَنْفَعُهُ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وَمِنَ النِّعَمِ تَوْفِيرُ وَسَائِلِ التِّقْنِيَّةِ وَالِاتِّصَالِ الَّتِي يَسَّرَتْ سُبُلَ الْعَيْشِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّعَلُّمِ، وَاخْتَصَرَتِ الْجُهْدَ وَالْوَقْتَ، وَجَعَلَتِ الْعَالَمَ كَقَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فِي سُرْعَةِ تَلَقِّي الْأَخْبَارِ، وَتَبَادُلِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقَضَاءِ الْمَنَافِعِ. وَوَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَتِقْنِيَّاتُ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، إن أُحْسِنَ اسْتِعْمَالُهَا عَادَتْ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ بِالْخَيْرِ، وَإِنْ أُسِيءَ اسْتِعْمَالُهَا كَانَتْ وَبَالًا وَفَسَادًا فِي الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي مِنَ الْجَمِيعِ الْعَمَلَ عَلَى اسْتِثْمَارِهَا فِي أَبْوَابِ الْخَيْرِ، وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَتَوْظِيفِهَا فِيمَا يَنْفَعُ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَأُولَاهُ وَأُخْرَاهُ.
لَقَدْ أَسَاءَ أَقْوَامٌ اسْتِغْلَالَ هَذِهِ الْوَسَائِلِ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَالْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ، وَتَزْوِيرِ الصُّوَرِ، وَتَرْكِيبِ الْمَقَاطِعِ الْمَرْئِيَّةِ الْكَاذِبَةِ، وَانْتِحَالِ الشَّخْصِيَّاتِ، وَتَقْلِيدِ الْأَصْوَاتِ، وَجَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ مُنْطَلَقًا لِلتَّشْغِيبِ، وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ وَالْبَلْبَلَةِ، وَتَشْوِيهِ صُورَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، نَاهِيكُمْ عَنِ اسْتِغْلَالِهَا فِي التَّجَسُّسِ وَالِابْتِزَازِ وَالِاحْتِيَالِ، وَانْتِهَاكِ الْأَعْرَاضِ، وَالْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَّةِ بِهِمْ، وَغَيْرِهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتُ المُسِيئَةُ.
وَآخَرُونَ مُرْجِفُونَ عَمِلُوا عَلَى إِذْكَاءِ نَارِ الْفِتَنِ، وَنَشْرِ الشَّائِعَاتِ بِصِنَاعَةِ مُحْتَوًى مُلَفَّقٍ، وَمَوَادَّ مُزَوَّرَةٍ، وَصُوَرٍ كَاذِبَةٍ، تَسْعَى بِخُبْثٍ لِإِثَارَةِ الرَّأْيِ الْعَامِّ وَتَأْجِيجِهِ، وَزَعْزَعَةِ الثِّقَةِ، وَالْإِضْرَارِ بِالْأَمْنِ الْمُجْتَمَعِيِّ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ.
وَلِأَجْلِ ذَا -عِبَادَ اللَّهِ- أَصْبَحَ لِزَامًا عَلَى الْمُسْلِمِ إن يَتَّبِعَ الْهَدْيَ الْقُرْآنِيَّ وَالْمَنْهَجَ النَّبَوِيَّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ وَالشَّائِعَاتِ، فَيُعْرِضَ عَنْهَا، وَيُحْسِنَ الظَّنَّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونَ عَوْنًا لِلْمُتَرَبِّصِينَ عَلَى تَشْوِيهِ دِينِهِ، وَاخْتِرَاقِ مُجْتَمَعِهِ، وَتَهْدِيدِ أَمْنِ وَطَنِهِ؛ فَلَا يَتَتَبَّعُ الْعَوْرَاتِ، وَلَا يَنْشُرُ الزَّلَّاتِ، وَلَا يَنْسَاقُ خَلْفَ مَا يُنْشَرُ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَلَا يُعِيدُ نَشْرَ الْمُحْتَوَى إِلَّا بَعْدَ تَأَكُّدٍ وَتَثَبُّتٍ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا إن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا إن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ إن هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ لَيْسَتْ مَصْدَرًا أَصِيلًا لِتَلَقِّي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ، بَلْ لَابُدَّ مِنَ التَّحَرِّي وَالتَّمْحِيصِ، وَالرُّجُوعِ إلى الْمَصَادِرِ الْمَوْثُوقَةِ؛ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إن هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».
إن عَلَى مُسْتَخْدِمِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَصُنَّاعِ الْمُحْتَوَى كِفْلًا وَمَسْؤُولِيَّةً كَبِيرَةً فِي تَرْسِيخِ الْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ مِنْ مَخَاطِرِ الِاسْتِخْدَامِ الْخَاطِئِ لِلتِّقْنِيَاتِ الْحَدِيثَةِ، مِنْ خِلَالِ تَطْوِيعِهَا فِيمَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، حَتَّى تَكُونَ أَدَاةً فِي الْخَيْرِ وَالْبِنَاءِ، لَا مِعْوَلَ شَرٍّ وَهَدْمٍ، وَلَا وَسِيلَةَ إِفْسَادٍ وَإِضْرَارٍ، بَلْ سَبِيلَ دَعْوَةٍ وَوَعْيٍ وَرُقِيٍّ، فَاحْرِصُوا مَعَاشِرَ الْإِخْوَةِ عَلَى حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَتِقْنِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، وَكُونُوا عَلَى خِبْرَةٍ بِفَوَائِدِهَا، وَمَعْرِفَةٍ بِمَضَارِّهَا لِتَجْتَنِبُوهَا؛ فَإِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا تَقُولُونَ وَتَكْتُبُونَ وَتَنْشُرُونَ، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
اتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ إن رَبَّهُ يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ، وَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَاسْتَشْعِرُوا مُرَاقَبَةَ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْوَرَى طُرًّا، فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، وَآمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادَمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ فِي تَدْمِيرِهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.