أنواع الدموع

7 دقائق
25 ذو الحجة 1447 (11-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن الدموع هي من آثار البكاء من شيء أو على شيء وهي أنواع كثيرة ومنها البكاء على شيء فات وقته وهو البكاء على الميت قد ظلمناه ولم نعتذر منه وهذا من باب الندم لأن الندم والحسرة يجلبان الدموع من أحشاء القلب ومنها البكاء على شيء لازال الوقت لإصلاحه كالذنوب والمعاصي والأخطاء ومنها البكاء من شيء لازال وقته لم يحن بعد في حياتنا وهو البكاء من عذاب القبر وعذاب النار عفانا الله وإياكم منهما وهذا خير أنواع البكاء لأنه يُلين القلب ويُهدئ النفس ويجعلك تستعد للآخرة على الحقيقة ومنها البكاء على التقصير في الطاعات ومنها البكاء على أملاك الدنيا وزينتها سواء عند فقدانها أو عدم حصوله عليها ومنها البكاء بسبب الحزن على الماضي أو الحاضر والإخفاق في أمر ما ومنها البكاء من الفرح وقوة السعادة والتوبة ومنها البكاء من شدة الألم والضَعف والقهر إما ألم بدني أو ألم نفسي ومنها البكاء من المرض ومنها البكاء على قريب أو صاحبٍ يُفارقنا بموته ومنها البكاء لإستعطاف الناس وخِداعهم لمصالح الدنيا أو المكر بهم وهذه الدموع مصدرها الأول هو الكذب ثم الحيلة وهي عبارة عن دموعٍ باردة ومنها البكاء نِفاقا ورياءً وسُمعة ليراه الناس سواء كان إماما أو مأموما ولهذا قال بعضهم (وأما عن البكاء فكلنا نُحسنه) أي في تفننه وإتقانه للبكاء أمام الناس والعياذ بالله ومنها البكاء من الخشوع وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله (والبكا إذا كان خَليا من النفاق نفع) بحر الدموع له ص (23)، "والبُكا" يقصد به البكاء وهذا إذا كان بسبب الخوف من الله أو الخشوع في الصلاة وسماع القرآن وقوله "نفع" أي منفعة خاصة بصاحبها وهو التغيير من الحسن إلى الأحسن في العبادات وغيرها ويُأجر عليه بسبب الإخلاص فيه لأن الدموع هنا كانت ممزوجة بالصدق صادرةٌ من القلب وهي عبارة عن دموع ساخنة ومنها البكاء الخاص بالنساء ولهذا يقال "المرأة سلاحها دموعها" ومنها البكاء من الخوف من أمور الحياة وغيرها من باب الوسواس ومنها البكاء الطبيعي كبكاء الطفل والرضيع ومنها البكاء من أثر الشفقة والرحمة ومنها البكاء من قوة الحياء والخجل ومنها دموعٌ دون سبب ومنها دموع من رائحة البصل. الخ وهنا جمعنا قرابة عشرين نوعا من أنواع الدموع والبكاء وهناك أكثر لمن أراد الإحصاء وهناك نوع من الدموع محرمة وهي التي يصحبها السخط وعدم الرضا وكذلك تلك التي يخرج معها كفر وسبْ بسبب الحزن أو فقدان شيء ما فالدموع من العين لها أنواع كثيرة وأصعبها دمعتان دمعة في الدنيا وهي دمعة المظلوم أو دمعة الوالدين بسبب العقوق والدمعة الثانية هي في الآخرة وهي دمعة الظالم سواء كان من الكفار أو العُصاة فالدمعة الأولى صاحبها لا يضيع حقه أبدا أما الدمعة الثانية فصاحبها يدفع ثمن الذنب غاليا وهذه الدمعة لا تنفع ولا تشفع له يوم القيامة قال تعالى {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} فاطر (37)، جاء في تفسير الجلالين (يستغيثون بشدة وعويل) ص (438)، قال الشيخ ابن ناصر السعدي رحمه الله (أي يصرخون ويتصايحون) تيسير الكريم الرحمان ص (658) والعويل والصُراخ والصياح كلها مصحوبة بالدموع والبكاء الشديد ولهذا قال بعضهم (إحذر من ثلاث دمعات دمعة المظلوم ودمعة اليتيم ودمعة الوالدين) أي إذا ظلمتهم قهرا فكل هذه الدموع قد تدفع بك لنار جهنم عفانا الله منها وإياكم

بكاء الطفل:

يولد الإنسان وهو في صِباه يبكي كعادة الأطفال وهذا من سُنة الله في خَلقه إن فطرهم على الدموع للقضاء على قساوة القلوب وفضاضة الألسُن المليئة بالعيوب قال الإمام ابن القيم رحمه الله (ولا ينبغي إن يشق على الأبوين بكاء الطفل وصراخه ولا سيما لشُربه اللبن إذا جاع فإنه ينتفع بذلك البكاء إنتفاعا عظيما فإنه يُروض أعضاءه ويُوسع أمعاءه ويُفسح صدره ويُسخن دماغه ويحمي مزاجه ويُثير حرارته الغريزية ويُحرك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول ويدفع فضلات الدماغ من المخاط وغيره) تُحفة المودود (151-152)، وقال أيضا (وبكاء الطفل ساعة ولادته يدل على صحته وقوته وشدته وإذا وَضع الطفل يده أو إبهامه أو إصبعه على عضو من أعضائه فهو دليل على ألم ذلك العضو) المصدر السابق (187)، وقال (فإذا إنفصل الجنين بكى ساعة إنفصاله لسبب طبيعي وهو مفارقته إلفه ومكانه الذي كان فيه) المصدر السابق (190)، ففوائد بكاء الطفل تعود له بالمنافع عند كِبره فسبحان الذي أبدع في خَلقه وهو القائل {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} التين (4)، جاء في تفسير الجلالين أي (تعديلٍ لصورته) ص (597)، قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله (في أعدل خَلق وأحسن صورة) مختصر تفسيره (598)

دموع الحُزن:

فإن البكاء الذي يكون من باب الحزن والألم والمرض. الخ ينقسم إلى قسمين وهما بكاء مع الصراخ والجزع والتسخط فهذا لا يجوز لأنه طريق إلى القنوط من رحمة الله وأما القسم الثاني فهو بكاء الدموع فقط وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ((إن العين تدمع والقلب ليحزن)) رواه الشيخان، فهذا إن كان من جانب الدواء لتخفيف الألم فهو ممدوح لأنه أشبه بالدواء المُسكن للألم ويُشترط إن لا يكون بين الناس حتى لا يفتح باب الشكوى وكما هو معروف إن "الشكوى لغير الله نوع من المذلة" والبكاء بطبيعته ينقسم إلى نوعين وهما إرادي واللإرادي وأما اللإرادي فيكون تحت حُكم قاعدة {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة (286)، سواء كانت بين الناس أو لوحده أما الإرادي فإن إستطاع التحكم فيه فهذا أفضل ويزيد في قوة الصبر وفي ميزان الحسنات وأما مَن يتعمد في البكاء أمام الناس سواء ليُمدح بخشوعه أو ليُستعطف بينهم فهذا آثم على سوء نيته فقد يدخل السخط على الحزن فيأثم صاحبه حينها وهو لا يدري وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بإمرأة عند قبر وهي تبكي فقال ((إتقي الله واصبري)) رواه البخاري، فقالت له (دعك عني) فلما قيل لها هذا رسول الله ذهبت إليه واعتذرت منه فقال ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) رواه البخاري، وقد جاء رجل يذكر بكاء نساء أهل الميت عليه فأمره بأن ينهاهن ثلاث مرات فلما أبين قال ((فاحث في أفواههن التراب)) رواه البخاري برقم (1305)، وهذا إن دل على شيء دل على خطر التسخط من أقدار الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن الحزن فطرة في الإنسان لكن عليه بالصبر واليقين فالصبر على مقدار الألم والوجع وأما اليقين فيكون بالفرج القريب وحُسن الظن بالله وقد قال بعضهم (فكم من دموع تُغطيها إبتسامة) غيّر حياتك من خلال ثلاثين قصة لجرادي سلطان ص (84)، وهذه صفة تجدها فيمن رضي بأقدار الله فتجده مريضٌ يُعاني من داء خطير لكن إبتسامته تملأ الوجه وكأنه لا يُعاني من أي عِلة فرزقهم الله الصبر والأمل بسبب رضاهم وحمدهم لربهم ولا إله إلا الله، فهناك من يتحدث معنا بنار الحُزن والدموع تملأ عينيه ولا تنزل على الجبين نراها تلمع كالنجم في السماء

دموع الخوف من الله عزوجل:

قال بعضهم (ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب) وهذه حقيقة فلا تدمع عين صاحبها وهو بقلبٍ أسود أي قد إسوَّد من الخطايا والأوزار والله المستعان، قال الشيخ حسين بن عودة العوايشة (فابك الدموع الآن بكاءً تؤجر عليه في دنياك قبل إن تبكي الدم الذي لا أجر لك فيه ولا ثواب في أُخراك) البكاء من خشية الله له ص (43)، قال تعالى {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} المائدة (85)، وأصل خشية الله ودمعة تنزل خوفا منه ومن عذابه هو القرآن الكريم فإن لم تدمع العين من سماع كلام خالقها فكيف ستدمع من كلام مخلوق مثلها والله المستعان، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله (واذر من دموعك على ما سلف من تفريطك فإن القطرة من الدموع من خشية الله تعالى تُطفئ البحور من النار) وصية ابن قدامة ص (50)، فإن البكاء على فوات الطاعة في الحياة باب من أبواب الإخلاص فأقبل عليه من قلبك خصوصا من جانب الندم على التقصير في العبادة فهو طريقٌ للإستقامة والرجوع إلى الله والندم هو مفتاح الدموع، قال الإمام ابن رجب رحمه الله (يا قوم قلوبكم على أصل الطهارة وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب فرُشوا عليها قليلا من دموع العيون وقد طهرت) تحقيق كلمة الإخلاص ص (44)، يقصد دموع الندم على الذنوب والخوف من الله والتوبة إليه "وقد كان بعضهم يبكي كثيرا فقيل له في ذلك فقال والله لو تواعدني ربي إن يسجنني في الحمام لكان حقي إن لا أفتر من البكاء فكيف وقد تواعدني إن يسجنني في النار إن أنا عصيته" وصية ابن قدامة ص (38)، ومما نُسب لأبوا بكر رضي الله عنه أنه قال (إبكوا فإن لم تبكوا فتابكوا) ومن فوائد الدموع من خشية الله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله)) رواه الترمذي، وقال أيضا ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)) رواه الترمذي، وقال عليه الصلاة والسلام ((سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) ثم ذكر منهم وقال ((ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) متفق عليه، إنها نعمة ونحن عنها غافلون نبكي على الدنيا وهي قصيرة وننسى الآخرة وهي الأبد نُحس بها بعين البصيرة، فدمعةٌ واحدة بصدق النية قد تُلين لك القلب وتجعله سائرا في الطاعات مجتنبا المحرمات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((عُرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) رواه مسلم

دموع الرحمة والشفقة:

عن أسامة بن زيد رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رُفع إليه ابن إبنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له (سعد ما هذا يا رسول الله؟ ) فقال ((هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) متفق عليه فالدمعة في مثل هذا الموقف هي مفتاح لباب الرحمة والطريق للشفقة على الناس

دموع الحياء والخجل:

قال النبي صلى الله عليه وسلم لأُبي بن كعب ((إن الله أمرني إن أُقرئك القرآن)) قال أبي بن كعب رضي الله عنه (الله سماني لك؟ ) قال ((نَعم)) قال (وقد ذُكرت عند رب العالمين) قال ((نَعم)) "فذرفت عيناه" رواه البخاري برقم (4961)، وهذه دمعة الحياء من رب السماء.

وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق