الصدق طريق الجنة

10 دقائق
30 ذو الحجة 1447 (16-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

الصدق طريق الجنة - صلاح نجيب الدق

الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.

الصدق في الأقوال والأفعال دليل على صدق الإيمان في القلب، والصدق له فضائل كثيرة فأقول وبالله تعالى التوفيق:

منزلة الصدق:

* قَالَ الإمَامُ ابن القيم (رَحِمَهُ اللهُ):

مَنْزِلَةُ الصِّدْقِ: هِيَ مَنْزِلَةُ الْقَوْمِ الْأَعْظَمِ. الَّذِي مِنْهُ تَنْشَأُ جَمِيعُ مَنَازِلِ السَّالِكِينَ، وَالطَّرِيقُ الْأَقْوَمُ الَّذِي مَنْ لَمْ يَسِرْ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنَ الْمُنْقَطِعِينَ الْهَالِكِينَ. وَبِهِ تَمَيَّزَ أَهْلُ النِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَسُكَّانُ الْجِنَانِ مِنْ أَهْلِ النِّيرَانِ. وَهُوَ سَيْفُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ الَّذِي مَا وُضِعَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا قَطَعَهُ. وَلَا وَاجَهَ بَاطِلًا إِلَّا أَرْدَاهُ وَصَرَعَهُ. مَنْ صَالَ بِهِ لَمْ تُرَدَّ صَوْلَتُهُ. وَمَنْ نَطَقَ بِهِ عَلَتْ عَلَى الْخُصُومِ كَلِمَتُهُ. فَهُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ، وَمَحَكُّ الْأَحْوَالِ، وَالْحَامِلُ عَلَى اقْتِحَامِ الْأَهْوَالِ، وَالْبَابُ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ الْوَاصِلُونَ إلى حَضْرَةِ ذِي الْجَلَالِ. وَهُوَ أَسَاسُ بِنَاءِ الدِّينِ، وَعَمُودُ فُسْطَاطِ الْيَقِينِ. وَدَرَجَتُهُ تَالِيَةٌ لِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْعَالِمِينَ.

(مدارج السالكين لابن القيم ج2 ص279)

الصدق وصية رب العالمين:

* قال الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(التوبة: 119)

قال الإمام ابن كثير (رَحِمَهُ اللهُ): اصدُقُوا وَالْزَمُوا الصِّدْقَ تَكُونُوا مَعَ أَهْلِهِ وَتَنْجُوَا مِنَ الْمَهَالِكِ وَيَجْعَلُ لَكُمْ فَرَجًا مِنْ أُمُورِكُمْ، وَمَخْرَجًا. (تفسير ابن كثير ج7 ص313)

* قال الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)(النساء: 69)

* قال عَزَّ وجَلَّ: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(المائدة: 119)

الصدق من صفات الأنبياء والصالحين:

* قال سبحانه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا)(مريم: 41)

* قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (مريم: 54)

* قال جل شأنه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) (مريم: 56)

* قال تعالى: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) (يوسف: 51)

* قال سبحانه: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة: 75)

نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا بالصدق:

* رَوَى الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (َقَالَ: إن الصِّدْقَ يَهْدِي إلى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا((البخاري حديث 6094 / مسلم حديث2607)

* رَوَى الشيخانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إن أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ. (البخاري حديث 3256 / مسلم حديث 2831)

أقوال سلفنا الصالح في الصدق:

جاءت عن سلفنا الصالح أقوالٌ بليغةٌ عن الصدقِ والصادقين، وسوف نذكر بعضًا منها:

(1) قال جَابِرُ بن عبد الله قَالَ: إن اللَّهَ رَفَعَ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ بِحِكْمَتِهِ، فَرَآهُ رَجُلٌ كَانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلَانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى بِالْأَمْسِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: قَدَرُ اللَّهِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي.(تفسير ابن كثير ج6 ص 334)

(2) قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: الصِّدْقُ وَالْوَفَاءُ يَكُونَانِ لِلْعِبَادِ حِصْنًا مِنَ النَّارِ. (المجالسة للدينوري ج7 رقم 2976)

(3) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِمُؤَدِّبِ وَلَدِهِ: عَلِّمْهُمُ الصِّدْقَ كَمَا تُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ. (المجالسة للدينوري ج4 رقم 1766)

(4) قال مَطَرُ الْوَرَّاق: خَصلَتَانِ إِذَا كَانَا فِي عَبْدٍ كَانَ سَائِرُ عَمَلِهِ تَبَعًا لَهُمَا حُسْنُ: الصلَاةِ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ

(شُعَبُ الإيمان للبيهقي ج4 رقم 4899)

(5) قَالَ الْجُنَيْدُ: حَقِيقَةُ الصِّدْقِ: إن تَصْدُقَ فِي مَوْطِنٍ لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ إِلَّا الْكَذِبُ. (مدارج السالكين لابن القيم ج2 ص289)

(6) قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: يُرْزَقُ الصَّادِقُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: الْحَلَاوَةَ، وَالْمَلَاحَةَ، وَالْمَهَابَةَ. (المجالسة للدينوري ج5 رقم 1865)

(7) قال الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاض: لَمْ يَتَزَيَّنِ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ، وَطَلَبِ الْحَلَالِ. (شُعَبُ الإيمان للبيهقي ج4 رقم 4900)

أنواع الصدق:

للصدق أنواعٌ كثيرةٌ نستطيع إن نوجزها في الأمور التالية:

(1) الصدق في النية

* روى الشيخان عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى((البخاري حديث1 / مسلم حديث 1907)

* روى الترمذي عن أبي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيُّ إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ إن لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. (حديث صحيح)(صحيح الترمذي للألباني ج2 رقم 1894)

* روى البخاري عن مُعَاذِ بْن جَبَلٍ إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ إن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. (البخاري حديث 128)

* روى مسلم عن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ إن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ((مسلم حديث 1909)

(2) الصدق في التوكل على الله

* قال اللهُ تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)(آل عمران: 173: 174)

* قال سبحانه: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا)(الفرقان: 58)

* قال الله سبحانه وتعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(إبراهيم: 11)

* قال تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إن اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)(الطلاق: 3)

* قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)(الأنفال: 2)

* روى البخاري عَنْ عبدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا (إن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (البخاري حديث 4564)

* رَوَى الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا. (الترمذي حديث 2344)

* رَوَى الشيخانِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ إن أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا. (البخاري حديث 3653)

(3) الصدق في التوبة

قال الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ إن يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم: 8)

* قال الإمام ابن كثير: قوله: (تَوْبَةً نَصُوحًا) أَيْ: تَوْبَةً صَادِقَةً جَازِمَةً، تَمْحُو مَا قَبْلَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ وَتَلُمُّ شَعَثَ التَّائِبِ وَتَجْمَعُهُ، وَتَكُفُّهُ عَمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ الدَّنَاءَاتِ. (تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج14 ص60)

روى مسلم عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إن امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَّهَا فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ إن جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى. (مسلم حديث 1696)

حقًا: إنها توبة صادقة من امرأة جاءت بنفسها بإرادتها لله تعالى لتكفر عن خطيئتها.

(4) الصدق في العمل

رَوَى البيهقي عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، إن النَّبِيَّ صَلى الله عَلَيه وسَلمَ قَالَ: إن اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا إن يُتْقِنَهُ. (حديث حسن)(صحيح الجامع للألباني ج1 حديث 1880)

فائدة مهمة

في بعض الأحيان قد نشتري سلعة ما من السوق وعندما نعود إلي المنزل نجد أنها غير صالحة للاستخدام وعندما نحاول إعادتها إلي صاحبها يرفض رد ثمنها أو تبديلها بغيرها، وهذا الأمر معتاد في وقتنا الحاضر، وقد يكون هذا الأمر بعِلْمٍ مِن التاجر نفسه، وهو في هذه الحالة قد غش الناس وقد نهانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الغش، وهذا المال الذي أخذه التاجر نتيجة الغش لن يبارك الله فيه.

* رَوَى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا. (مسلم حديث 101)

(5) الصدق في التجارة

يجب على كل مسلم إن يكون صادقًا مع الله ومع نفسه ومع الناس، والتاجر المسلم يجب إن يعتقد إن الأرزاق بيد الله وحده وأن الصدق في البيع والشراء هو سبيل البركة في الأرزاق، ويجب علينا إن نعلم إن اللهَ قَدَّرَ أرزاق جميع المخلوقات إلي قيام الساعة قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: 6)

وقال سبحانه: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذريات: 22: 23)

روى الشيخان عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا. (البخاري حديث 2079 / مسلم حديث 1532)

* قَوْلُهُ: (صَدَقَا وَبَيَّنَا) أي: بَيَّنَ كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلي بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن.

بعض التجار يعتقدون إن الكذب وخداع الناس هو سبيل زيادة الأرباح، وهذا من تلبيس الشيطان عليهم لأنها زيادة ممحوقة البركة فإن المال الذي يأتي عن طريق الكذب عادة ما ينفقه صاحبه على الأمراض والدواء، ولذلك حذرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِن الحلف كذبًا مِن أجل الربح(

* رَوَى الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قُلْنَا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا؟ فَقَالَ: الْمَنَّانُ وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ.( (حديث صحيح)(صحيح الترمذي للألباني حديث 967)

(6) الصدق في المزاح

شريعتنا الإسلامية الغَّراء تعلمنا الصدق في كل شيء حتى في المزاح فيما بيننا ولقد حثنا نبينا ( على الصدق في المزاح في أحاديثه الشريفة:

* روى أبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ.( (حديث حسن) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4015)

* روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا قَالَ إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا. (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1621)

* رَوَى أبو داود عَنْ أَنَسِ بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4182)

أخي المسلم الكريم: قارن بين هذا المزاح الصادق وبين مزاح الكثير من المسلمين اليوم، الذي يقوم على الكذب والسخرية والاستهزاء بالآخرين، مِن أجل إضحاك الآخرين، وقد حذرنا منه نبينا محمد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

* رَوَى أبو داود عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ. (حديث حسن) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4175)

(3) الصدق مع الأطفال

روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَرَدْتِ إن تُعْطِيهِ قَالَتْ أُعْطِيهِ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ. (صحيح أبي داود للألباني حديث 4176)

فائدة مهمة

الأطفال يراقبون سلوك الآباء والكبار ويقتدون بهم فإذا اعتاد الصغار على سماع الكذب من آبائهم، اعتادوا على ذلك عند الكبر، ولذلك يجب إن نحذر الكذب أمام الأطفال خاصة، ويجب إن نراعي الصدق في الحديث عند تسليتهم سواء بالأقوال أو الأفعال والحكايات التي تُلقى على مسامعهم مع مراعاة ذكر فضائل الصدق أمامهم ليكونوا مِن الصادقين منذ نعومة أظفارهم مع تذكيرهم بصدق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسلف الصالح.

وقفة صادقة مع النفس

يجب علينا إن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة لنرى كيف نربي أبنائنا فإن الكثير مِن الآباء يتعمدون الكذب أمام أبنائه فإذا ما جاءه أحدٌ يسأل عنه، وهو في المنزل، يقول لولده أخبر مَن يسأل عنى بأنني غير موجود، فيعتاد الولد الكذب من أبيه ويستمر هذا معه طول حياته إلا إن يتغمده اللهُ تعالى برحمته ويهديه.

نبينا محمد (إمام الصادقين:(

كان نبينا ( صادقًا في أقواله وأفعاله، في جميع حياته حتى قبل بعثته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذا فقد كان أهل مكة يلقبونه بالصادق الأمين وشهدوا له بذلك

* رَوَى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إن هِرَقْلَ قال لأبي سفيان: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ إن يَقُولَ مَا قَالَ.

قَالَ أبو سفيان: لَا. (البخاري حديث 7)

* رَوَى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ الْوَحْيِ بعد إن عاد من غَارِ حِرَاءٍ وقد ذكر ذلك لخديجة رضي الله عنها فقال لها النبي قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ لَهُ كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ. (البخاري حديث 6983)

لقد أتخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن الصدق الذي اشتهر به وعُرف عنه بين أهل مكة مدخلًا إلي المجاهرة بالدعوة إلى الله تعالى.

صدق أصحاب نبينا:

* قال اللهُ سبحانه وتعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 23: 24)

يتمثل صدق أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأمور التالية:

(1) تمسكهم بعقيدتهم وتحمل العذاب مِن أجل الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(2) ترك البلد الذي وُلدوا فيها وهاجروا إلى الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(3) بذل كل غال ونفيس مِن أجْل نصرة دين الإسلام.

(4) اجتهادهم في تبليغ أحاديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن بعدهم مِنَ التابعين.

(5) بذلوا قُصَارى جهدهم مِن أجل نشر الإسلام في أرجاء المعمورة وتمسكهم بسنة النبي ونشرها ومحاربة الابتداع في الدين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق