النظافة الشخصية من الفطرة إلى الفردانية

3 دقائق
8 محرم 1448 (24-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

كان الأصل في الحديث عن النظافة الشخصية أنها من مبادئ الفطرة وكان الحث على النظافة ينطوي على بعد من الواجب تجاه النفس والآخر، ولم تغفل القيم الروحية التي ترتبط بالنظافة الشخصية ومن ذلك اعتبارها من سنن الفطرة، فربط بين بعض أشكالها وبين مرضاة الرب، كما في قول النبي عن السواك: "السواك ‌مطهرة ‌للفم، مرضاة للرب"، وربط كذلك بين النظافة والطهارة والذكاء والتخفف من الهموم، كما في الأقوال التي ظهرت عند العرب كقولهم: "من ‌طاب ‌ريحه زاد عقله"، وقولهم: "من نظف ثوبه قل همه"، وقولهم: "الرائحة الطيبة تزيد في العقل"، "من مروءة الرجل نقاوة ثوبه"، "من مروءة الرجل طيب ريحه"، وهذا في الموروث العربي، وكذلك اعتبرت النظافة في الموروث الغربي من الواجبات الأخلاقية العليا، واعتبرت "فضيلة الجسد"، وعُدّ "الشعب الذي يصاحب النظافة يصاحب أيضا النظام والانضباط" [أفول الواجب، ص110]، وعدت النظافة من واجبات المرء تجاه الغير وشكلا من أشكال احترام الآخرين.

وعلى الرغم من كون الأصل في النظافة الشخصية من الفطرة ولا تتجاوز العناية بها الأمر الغريزي وعلى الرغم من كونها واجبا من واجبات الفرد تجاه الذات والآخر إلا إن هناك جانب ترفيهي في النظافة ظهر حتى عند العرب قديما، فنرى أقوال عن عمر بن العزيز أنه كان في شبابه يبالغ في الطيب حتى إن الناس ينتظرون يوم إن تؤخذ ملابسه للمغسل لتغسل ملابسهم في إثرها لكثرة الطيب والمسك الذي فيها، كما كان أبناء الطبقات العليا في المجتمع يغتسلون بماء الورد، وهذا يبرز النظافة الشخصية كشكل من أشكال الترف الذي يتمايز فيه أبناء الطبقات بعضهم عن بعض، وفي الوقت الحديث أُقحمت أدوات النظافة الشخصية لتصبح جزءا لا يتجزء من تسليع الجسد وجعله واجهة تعكس النفوذ والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد، إذ إن الجسد "يحمل علامات الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: مواضع الفرد الاجتماعية، وتشكيل تبيئته، وتطور الذوق لديه" [الجسد والنظرية الاجتماعية، ص172]، فأذواق الفرد في الروائح مثلا تعكس انتماءه الطبقي.

تغول الجانب المادي للاهتمام في النظافة الشخصية وطغت النظرة الترفيهية عليها، حتى اعتبرت النظافة جزءا من المتعة وجانبا من جوانب الإثارة والإغراء لذلك نرى الدعايات التجارية التي تروّج لمنتجات التنظيف لا تغفل جانب الإغراء حتى في دعايات معجون الأسنان، وكذلك العطور، والصابون وغيرها، والتي تربط بين منتجات العناية بالجسد وبين القيم المادية المتمثلة بالثراء والنفوذ والرغبة والإغراء، يقول الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفتسكي: "لم يعد الأمر يتعلق بالختم بطابع الخزي على الروائح العفنة، ولكن بتذوق متع الروائح الطيبة والمستحلبات والأملاح المعطرة، ولم تعد الممارسات الصحية تابعة لواجبات تجاه الذات، بل صارت مثبتة في سجل المتع الحميمية" [أفول الواجب، ص112].

إن تواري البعد الإلزامي للنظافة تجاه النفس والآخر جعلها تصبح "هما مسيطرا على الأفراد"، فبقدر نقصان خطاب الواجب يزداد مقابله خطاب الاهتمام بالذات والتمركز حولها، فاختفاء القيمة الاجتماعية الانضباطية حل محله عناصر تقوم على الإعلام وإثارة الحاجات والرغبات، وبفعل ذلك تحولت النظافة من الصرامة والواجب إلى حيز من الشخصنة وتقديس الخيارات الخاصة والرغبات والمتع، في السعي للوصول للهوية الخاصة للفرد، وتحول الأفراد لمستهلكين بشكل نهم على نحو يبدد الأوقات والأموال، وهذا يبين مدى اختفاء البعد الأخلاقي والتحول للهوس في المظهر والشكل على نحو نرجسي قلق [أفول الواجب، ص 113].

لم يغفل الإسلام ما يتعلق بالنظافة من جوانب مادية، لذلك نرى عبادة مثل الحج يحرم فيها التطيب واستخدام العطور بجميع أنواعها وكذلك قص الأظافر والشعر؛ وهذا ليس فقط ليشعر المسلم بالمساواة مع إخوانه المسلمين، بل في جانب آخر لأنها تتنافى مع الحال الذي يحب إن يكون عليها الحاج من الشعث وهو ما يكون حال المتنسك أدعى وأقرب إليه، كذلك أثناء عبادة الصيام يكره التطيب، ويكره كذلك الاستياك بعد الزوال لقول النبي: «والذي نفسي بيده‌‌ ‌لخلوف ‌فم ‌الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فهي دعوة لترك الترفه والمتع، وهي كذلك تهذيب لهذا الجسد ليتعلم التنازل عما يشتهي ويقف عند حدود دنيا تخفف من ثقله ليسمو كما تعبر هبه رؤوف في حديثها عن غايات الصوم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق