ضوابط التفسير القرآني وأثرها في تقويم مناهج التجديد

3 دقائق
8 محرم 1448 (24-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن بلسان عربي مبين، وقد نزل بلغة العرب الذين كانوا قوم النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته، وكانوا على قدر كبير من العلم والفهم في لغتهم التي كانت اللغة الأولى في منطقة شبه الجزيرة العربية وما جاورها. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه بالقرآن وبآياته، والقرآن لم ينزل جملة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم، بل نزل منجمًا ومفرقًا حسب الحوادث والوقائع، أو لبيان وتفصيل ما كان بحاجة لذلك. والصحابة رضوان الله عليهم شهدوا نزول القرآن، وتعلموا أحكامه، وعلموا أسباب نزوله، وسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم تفسيره، وسألوه عما أشكل عليهم فأجابهم، ولذلك فقد كانوا أعلم الناس بكتاب الله تعالى علمًا وحفظًا وتفسيرًا، وجاء التابعون من بعدهم فأخذوا العلم والتفسير منهم وتتلمذوا على أيديهم، وعلى أيديهم وأيدي من جاء بعدهم من تابعي التابعين قامت قواعد التفسير وأصوله فقد وضعوها عن علم ودراية وسند متصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

والعلماء قديمًا قسموا التفسير إلى نوعين: تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، ويمكن تسميتها أيضًا تفسير بالنقل وتفسير بالعقل. والأول هو ما كان مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان موقوفًا على صحابته، أو نقل عن التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، ويضاف إليه ما كان سببه اختلاف القراءات القرآنية الصحيحة، وما كان من التفسير مبنيا على اللغة فقط، إذ اللغة تعد من المنقول أيضًا. وأما التفسير بالرأي فالمقصود به الاجتهاد المبني والمستند إلى أسس صحيحة وثابتة، ولذلك فقد قسم العلماء الرأي إلى محمود ومذموم، والمحمود هنا ما أشرنا إليه بالمستند إلى أسس صحيحة ثابتة من اللغة والسياق والمأثور، والمذموم هو ما يعتمد ويستند إلى الهوى المحض الناشئ عن جهالة أو اعتقاد باطل أو استدلال في غير محله وعلى غير هدى. ويتفق العلماء على إن التفسير بالرأي المذموم الناتج عن الهوى لا يجوز، لأنه كذب متعمد على الله سبحانه وتعالى.

ومعلوم أنه لا يوجد في تفسير الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من القرون الأولى من فسر بالرأي المذموم المبني على جهل أو هوى، كالذي وقع من بعض المفسرين المتأخرين، بل كان تفسيرهم الاجتهادي قائمًا على العلم بكتاب الله ولغة العرب، وهذا لا يعني إن كل اجتهاداتهم كانت صائبة وصحيحة، بل يقع منهم ما يقع من البشر عمومًا يصيبون تارة ويخطئون تارة أخرى، إلا إن خطأهم يكون عن اجتهاد واستخدام للأدوات الصحيحة في التفسير.

وقد تنوعت بعد ذلك مناهج التفسير بين التفسير التحليلي والإجمالي والموضوعي وغيرها، وفي العصر الحالي تكاثرت المناهج والمدارس في التفسير، واختلفت بناء على ذلك أهداف كل اتجاه ومنهج، حيث منهم من يهدف من خلال مناهجه إلى نهضة الأمة من خلال استخراج معاني القرآن الكريم ودلالاته مع عدم الخروج عن أصول وقواعد التفسير المعلومة، وقد ظهر هذا جليًا من خلال عدد من المجددين والمحدثين الذين كانوا لبنات أساس، ومنهم الطاهر بن عاشور، ومحمد رشيد رضا، وغيرهم. ولم يكن تجديدهم في الأصول ولا في مناهج التفسير ذاتها، وإنما كان تجديدًا في الوسائل والأساليب التي تعيد الأمة إلى منبعها الصافي مع مراعاة زمانها وواقعها.

وبالمقابل برزت مناهج أخرى تدعو إلى تبني منهجية تتعارض مع نهج القدماء وتخالفه، من خلال تجاوز التفسير التراثي للقرآن بحجة إن ذلك التفسير يمثل فترة زمنية ماضية، وأنه يجب الأخذ بمناهج جديدة تتلاءم وتتوافق مع الفترات الزمنية التي نعيشها دون الرجوع لتراثنا وتاريخنا وتبني قطيعة منهجية مع كتب التراث بشكل عام، وتبنى مثل هذه الدعوات عدد من المفكرين والباحثين، منهم محمد شحرور، وحسن حنفي، ونصر أبو زيد، وغيرهم.

ومعلوم إن مبادئ الشريعة الإسلامية لا تقوم على رفض التجديد، بل تدعو إليه وترغب فيه، وتدعو إلى تجديد قائم على استكمال البناء لا هدمه، يعمل على توسيع مناهج التراث لا إلغائها، ولذلك فقد جعلت للتجديد في تفسير القرآن الكريم ضوابط ومحددات ليكون التجديد سليمًا ويؤدي الغرض منه وافيًا، ومن هذه الضوابط والمحددات ما يلي:

• العمل على احترام الثوابت وتقديرها والبناء عليها لا هدمها.

• الإلمام بالتراث العلمي التفسيري ومعرفته معرفة دقيقة تتيح للمفسر معرفة مواطن القوة للعمل عليها وتنميتها، ومواطن الضعف لتلافيها ومعالجتها.

• الاطلاع على مناهج التفسير المعاصرة بعين فاحصة ودراسة متأنية تُمكّن القارئ من معرفة ما يتوافق منها مع تراثنا وعقيدتنا ومبادئنا وأصول التفسير المعروفة لدى المفسرين عمومًا، وما يخالف ذلك، بحيث يُعمل بما يتوافق ويُرد ويُرفض ما يخالف أو يؤدي إلى مخالفة أصول التفسير وقواعده.

  • العمل بطريقة تكاملية بين المناهج قديمًا وحديثًا، مع عدم التفريط أو المساس بالمسلمات والقواعد والأصول التي جعلت كدعائم أساسية يقوم عليها علم التفسير منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم وتابعي التابعين حتى يومنا هذا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق