بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده، تعالى، القائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصلّ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾[الأنعام: 55]، وأشهد إن لا إله إلا الله وليّ الصالحين أمر بالعدل ونهى عن الفحشاء والمنكر، فقال تعالى: ﴿إن اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُربّى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل: 90]. وأشهد إن محمّدا عبده ورسوله النبيّ الأكرم، دعا إلى المحبّة والسّلم، ونهى عن القهر والظّلم والطّغيان، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، وآووا ونصروا حتى فتحوا القلوب والبلدان، ونشرّوا العدل والإيمان والإحسان ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[النور: 38] أمّا بعد، أيّها المؤمنون الكرام، ففي كتاب الله، عزّ وجلّ، آية إذا توقّفنا عندها وتدبّرناها، أدركنا فيها الكثير من التّبشيرِ والكثيرَ من التّحذير، وكم نحن في حاجة إلى تدبّرها في مثل هذه الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي نعيشها، لعلّها توقظنا من رقاد، ولعلها تنبهنا من غفلة. يتكلّم البيان الإلهيّ على فريقين اثنين: أحدهما الفريق الجانح عن صراط الله، سبحانه وتعالى، والفريق الثاني مؤمنٌ بألوهيّة الله، عزّ وجلّ، وخاضعٌ لسلطان هديه ولشرّائع أمره ونهيه. ثمّ يتساءل البيان الإلهيّ قائلًا ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[الأنعام: 81]. الفريق الأول أم الفريق الثاني؟! ويجيب البيان الإلهيّ قائلًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَإنّهم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾[الأنعام: 82]. أيها المؤمنون الكرام، نحن مؤمنون بالله، عزّ وجلّ، – وهذا شيء نحمَد الله تعالى عليه –ولكن هل صَفَّيْنا إيماننا من شوائب الظّلم أم تمازج الإيمان بالله، عزّ وجلّ، مع الظّلم في حياتنا وسلوكنا وشؤوننا؟ دعونا نر وضعنّا ونتأمّلْ أفعالنا ونعدْ إلى أنفسنا، ولو لبرهة زمنيّة وجيزة، ولْنتجرّدْ، ولو لدقائق، من كلّ ما يشغلنا ونواجه أنفسنا: هل نحن ممّن يُلحق الأذى بغيره سواء كان جسديّا أو نفسياّ؟ لاريب في إن إلحاق الضّرر بالأبرياء ظلم، وفي الحديث: (إن الله يعَذِّب الذين يعذِّبون النّاس في الدّنيا(
هل نحن ممّن يعتدون على المالِ العامّ؟ الاعتداء على المال العامّ ظلم، ولاشكّ في شدّة حرمته وفي بشاعة أثره، لأنّ الضَّرَرَ فيه يُصيبُ الأمّة بمَجموعها، وفي الحديثِ النبويّ: «إن رجالًا يتخوَّضون في مالِ الله بغير حقٍّ، فلهم النارُ يومَ القيامة» هل نحن ممّن يظلم الأُجَرَاء والمستَخدَمين من عمّالٍ وعاملات في المصانع أو الحضائر أو المؤسّسات ونحوِها ببخسِهِم حقوقَهم، أو تأخيرها عن أوقاتها، أو تغيير الاتفاق المبرم معهم، أو إِهانَتِهم بقولٍ أو فعل؟ وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يَومَ القيامة»، وذكر مِنهم: «ورجلٌ استأجَرَ أجيرًا فاستَوفى مِنه ولم يعطِهِ أجرَه» هل نحن ممّن يتجنّب، كلّيا، الحصول على امتياز، بغير وجه حقّ، ويرفض التّعاملَ بالرِّشوة، تقديما أو تحصيلا، أم نحن ممّن يسلك مسلكا فيه ظلم للنفس وللغير؟ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكلّوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال الإمام ابنُ عاشور: «لأنَّ هذهِ-أي الرّشوة- شديدةُ الشناعةِ، جامعةٌ لمحرَّماتٍ كثيرَةٍ، وللدَّلالَةِ على إن مُعْطِيَ الرِّشوةِ آثِمٌ معَ إنّه لم يَأكلّ مالًا بلْ آكلّ غيرَهُ» هل نحن ممّن يلتزمون آداب التّعامل مع النّاس ويخشون انتهاك الأعراض وإثارة الشّبهات أم لا نهتمّ كثيرا بما نقول وبما نروّج، تشهيرا وتجريحا ونشرّا للانحراف والأفكار الهدّامة؟ لا أتكلّم عن بعض وسائل الإعلام فحسب، بل عمّا نثيره في مجالسنا العائلية وغير العائلية، وعمّا يُتداول في مواقع التّواصلّ الاجتماعيّ، وما ينشرّه البعض منّا، أحيانا دون قصد، وهو بذلك يقترف ظلما كبيرا. هل نحن ممّن يتصيّدون الفرص وينتهزونها للتضييق على معاش النّاس وقوتهم بالاحتكار والتحكّم في أسعار السّوق لكسب أوسع وربّح أسرع؟ عباد الله: هذا الواقع لا أصفه أنا، وإنّما يصفه بيان الله عزّ وجلّ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَإنّهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]. لم يخلطوا إيمانهم بظلم، فهل نحن كذلك أم إنّنا خلطنا إيماننا بظلم؟ هل التزمنا بأوامر الله ونواهيه؟ هل خلت حياتنا وسلوكنا وعلاقاتنا من الظلم وخلص إيماننا من الشوائب أم هزمتنا اللامبالاة وانتصر علينا الإهمال ودمّر التهاونُ والاستخفاف علاقاتنا وأخلاَقنا؟ أليس التّفريط في ديننا وفي أخلاقنا وفي كرامتنا وفي صفاء إيماننا هو الذي جعل الطّغاة والبغاة من أطراف العالم الإسلاميّ يرموننا بسهم واحد ويتّجهون إلينا لتنفيذ خطط واحدة اجتمعوا عليها. فلولا هذا الإيمان الذي امتزج في كياننا بالظلم هل كان لهذه الخطط إن تُسْتَثْمَر، وهل كان لها إن تصلّ إلينا وأن تتسربّ إلى مجتمعاتنا؟ شعائر للإسلام تلتمع وتتألّق، مساجد يتسابق كثيرون إلى عمارتها، مآذن يتبارى كثيرون في تطويلها، آيات القرآن تتلى هنا وهناك بأجمل الأصوات، كلّ ذلك موجود، رسوم إسلاميّة، لكن ماذا وراء هذه الصور؟ ماذا نجد في واقع المسلمين؟ ألا نجد هذا الظّلم الذي أظهره بيان الله عزّ وجلّ؟ بل ما أكثر ما نجد من أنواع الظلم في واقع ممارساتنا ومعاملاتنا وأقوالنا؟ ما أشدّ وطأة الظلم الذي بات يخيّم على فقرائنا وعلى شبابنا وعلى أبنائنا وفي شوارعنّا وأسواقنا وأحيائنا ومؤسّساتنا وفي برّنا وبحرنا وجوّنا؟ ولعلّكم تعلمون ما أعني. وربّما أدعوكم إلى الذهاب بأخيلتكم، يمينًا وشمالًا، إلى أولئك الذين أغدق الله عليهم في الرزق، الذين أعطاهم الله، عزّ وجلّ، الكنوز الصفراء والسّوداء، أعطاهم كنوزا تنبع من باطن الأرض وظاهرها، ماذا تجدون؟ إن شعائر الإسلام، اليوم، كثيرة والمظاهر خلاّبة وجلاّبة. أمّا سلوك الإنسان "المسلم" مع ربّه في داره، في مجتمعه، في علاقته بمن يشترك معهم تاريخا وأخلاقا ودينا ومصيرا، فهو أبعد ما يكون عن الدّين. لقد أصبح الإسلام غريبا. عباد الله، إن بين الظّلم الذي هو إفساد وبين الإصلّاح تناقض حاد، ولا يمكن للنقيض إن يحتضن نقيضه قط. لا يمكن لعاقل إن يتصوّر إن بالإمكان إن يكون الظّلم أو الفساد أساسًا لبنيان الإصلّاح، من ذا الذي يتصوّر ذلك؟! ليس في العقلاء من يتصوّر إن دعائم الفساد والتّخريب هي التي تكون أركانًا لبنيان الصلّاح أو الإصلّاح، لا يتأتى ذلك، ولا يحتضن النقيض نقيضه بأيّ شكلّ من الأشكال. تأمّلوا فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[آل عمران: 57] وَقَوْلِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[البقرة: 258] وَقَوْلِه جَلَّ اسْمُهُ: ﴿إنّه لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[الأنعام: 21] اللّهمّ ارفع عنّا الظّلم، وأنزل فينا العدل، اللّهمّ اجعلنا إلى الخير سباّقين، وبالعدل قائمين، وللظّلم مجتنبين. أقول قولي هذا، وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فاستغفروه، يَغْفِرْ لَكُمْ، إنّه هُوَ الغَفُورُ الرّحيم، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ، إنّه هُوَ البَرُّ الكَرِيُم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
الخطبة الثّانية:
الحمد الله الذي حرّم على عباده الظّلم والطّغيان وأوعد الظّالمين بالعقوبة والخسران ﴿وَلاَ تَحْسِبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾[إبراهيم: 40]، نحمده إن جعل دعوة المظلوم مستجابة لإقامة العدل والميزان. وأشهد إن لا إله الله وحده، لا شريك له، حرّم الظّلم على نفسه في أفعاله، وأحكامُه دائرة بين العدل والإحسان. وأشهد إن محمّدا عبده ورسوله المنزل عليه والقائل: «إن الله يمهل للظّالم فإذا أخذه لم يفلته». اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جزَاءً بِما كَانُوا يعْملُونَ﴾(السجدة: 17) أمّا بعد، أيّها المؤمنون الكرام، فعنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ(وهم المهاجِرون إلى الحَبشةِ، وهم أهلُ السَّفينةِ الَّذين رَكِبوا البَحرَ؛ للوُصولِ إلى الحبَشةِ، ثمَّ رجَعوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدَ هِجرتِه إلى المدينةِ)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «أَلا تُحَدِّثُونِي بِأَعْجَبَ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟ قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ مَرَّتْ عَلَيْنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابينهم، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فانكسرت قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ(يا كثيرَ الغدرِ) إِذَا وَضَعَ اللَّهُ عزّ وَجَلَّ الْكُرْسِيَّ(نصَبَه ليُحاسِبَ العِبادَ)، وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَتَكلّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، سَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ. قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: صَدَقَتْ، ثُمَّ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ عزّ وَجَلَّ قَوْمًا لا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ؟! » تقول العجوز المظلومة للظّالم بكلّ ثقة «سَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ»، ويقول عنها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لمّا سمع كلّماتها «صَدَقَتْ، ثُمَّ صَدَقَتْ» ويتوجّه بخطابه لكلّ جماعة أو شعب أو أمّة. قائلا: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ عزّ وَجَلَّ قَوْمًا لا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ؟! » عباد الله كيف يجوز لأحد من المسلمين، كائنًا من كان، إن يظلم عباد الله، أو يؤذيَهم أو يضرَّهم، أو يتجنّى عليهم، أو يعتديَ على مصالحهم، أو يمنعهم حقوقهم أو يبخسهم أشياءهم أو يقصّر فيما يجب عليه تجاههم، وهو يعلم إن الإسلام حرَّم الظلم، أشدَّ التّحريم، بكلّ أنواعه ومسبّباته ونتائجه. بل إن اللّه، جلّ في علاه، حرّمه على نفسه، وهو الّذي لا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون. فعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى إنّه قال: «يا عبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظّلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم مُحَرَّمًا فلا تَظَالَمُوا» عباد الله: إن منشأَ الظّلم ظلمةٌ في القلب، تُعمي صاحِبَهَا عن استبصار الحق وإدراك العواقب، وتدفعُهُ إلى التّمادي في الباطل. فلا يجد في نفسه وازعًا يُوقظُهُ، ولا يجد في المجتمع رادعًا يقمَعُهُ. ولهذا، غالبًا ما، يقعُ الظّلمُ على الضّعفاء والمساكين الذين لا يجدون مالًا يدفعونَ به عن أنفسهم، ولا يجدون من قوى المجتمع من يحميهم من الظلم. وفي هذا يقول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، محذّرًا المجتمع المسلم: (إذا رأيتَ أمَّتي تهابُ الظّالمَ إن تقول له: إنّك ظالم: فقد تُوُدِّعَ منهم)؛ أي لا خير فيهم. ويقول صلّى الله عليه وسلّم: «ما من مسلم يخذل امرًا مسلمًا في موضع تُنتهكُ فيه حُرمتُهُ، ويُنتقصُ فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يُحبّ فيه نُصرته»، ويقول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: 25].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين