الابتداع في الدين خطر على المسلم في الدارين

4 دقائق
8 محرم 1448 (24-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

وأما بعد:

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ)) رواه مسلم، يقصد بقوله "فهو ردٌ" أي مردود غير مقبول بسبب مخالفته للدين بالبدع وقوله "ليس عليه أمرنا" أي ليس فيه دليل على مشروعيته من كتاب أو سُنة لأن التشريع من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقط والمبتدع يُرد عليه عمله ولا يُقبل منه ولو كان عمله هذا حَسنا في الظاهر وقد رأى سعيد بن المسيب رجلا كان يُصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يُطيل فيهما الركوع والسجود فنهاه فقال (يا أبا محمد أيُعذبني الله على الصلاة؟) قال (لا ولكن يُعذبك على خلاف السُنة) رواه البيهقي، فطريقة الصلاة في الظاهر شيء حَسن لكن الحقيقة تُبيّن إن هذا الفعل بدعة ومخالفٌ للسُنة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ((وكل بدعة ضلالة)) رواه مسلم، فالأمر متعلق بالكل وليس البعض منها فلا يأتي أحد من الناس ويقول لنا "هذه بدعة حسنة" فالبدع كلها سيئة لا خير فيها ولا إحسان منها والله المستعان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان ((ويفعلون ما لا يؤمرون)) رواه مسلم، أي في العبادات بالزيادة من تلقاء أنفسهم على حسب أهوائهم وآرائهم وأفكارهم وهذا الذي نراه اليوم في البلاد العربية والإسلامية من زيادة البدع التي تزداد شيئا فشيئا وكلما زادت البدع نقصت السُنن في المجتمع حتى أصبح بعض الناس يستهزءون بأهل السُنة والجماعة وهذا عندما يرونهم يقتدون بالسُنن في لباسهم وعباداتهم وعاداتهم. الخ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)) فقيل له (مَن الغرباء؟) قال ((الذين يَصلحون إذا فسد الناس)) رواه أحمد وغيره، وهذا من علامات صدق النبوة التي تحققت اليوم لأننا أصبحنا نعيش في زمن الغُربة ((يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ ويخَوَّنُ فيها الأمينُ)) صحيح الجامع، فقد أصبح الناس يُصدقون الداعية المبتدع ويُكذبون الداعية السُني والله المستعان

فصل:

قال تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} الشورى (19)، قال الإمام ابن كثير رحمه الله (أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس) ثم قال (قد إخترعوها) تفسيره (4/31)، فالبدع كلها من صِنف الإختراع والسُنن كلها من صِنف الإتباع قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله (”شَرَعُوا” أسنوا وابتدعوا "لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ" ما لم يُبح لهم إبتداعه) مختصر تفسيره ص (485)، قال الشيخ ابن ناصر السعدي رحمه الله (الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى ليُدين به العباد ويتقربوا به إليه فالأصل الحَجر على كل أحد إن يُشرع شيئا ما جاء عن الله وعن رسوله) تيسير الكريم الرحمان ص (724)، قال الله عزوجل {ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الحديد (26)، جاء في تفسير الجلالين أي (ما أمرناهم بها) ص (541)، فالبدع هي مخالفة للدين لأن الدين هو من الأمر أي قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الدين رأي من أصحاب الهوى والمقالات قال الشيخ ابن ناصر السعدي رحمه الله عن الآية السابقة فهم إبتدعوا من عند أنفسهم عبادة ووظفوها على أنفسهم والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها بل هم الذين إلتزموا بها من تلقاء أنفسهم قصدهم بذلك رضا الله تعالى) تيسير الكريم الرحمان ص (806)، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (الإنسان إذا إبتدع بدعة فإنه لا يوفق لإقامتها فيكون ضالا في الأصل وضالا في الفرع حتى لو إجتهد حتى لو خشع إنك تجد كثيرا من الناس الذين إبتدعوا أذكارا أو صلوات أو أدعية أو ما أشبه ذلك تجدهم خاشعين، قلوبهم باكية قلوبهم خاشعة لكن لا ينفعهم ذلك لأنهم على ضلال نسأل الله السلامة والعافية) تفسير ابن كثير ما تحت الخط (4/438)، قال تعالى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} الكهف، قال الإمام علي رضي الله عنه (أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة) تفسير ابن كثير (3/91)، قال الشيخ ابن ناصر السعدي رحمه الله (أي بطل واضمحل كل ما عملوه من عمل يحسبون أنهم محسنون في صنعه) تيسير الكريم الرحمان ص (461)، وجاء في تفسير الجلالين ("وَهُمْ يَحْسَبُونَ" يظنون "أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" عملا يُجازون عليه) ص (304)، قال تعالى {وَقَدِمْنَا إلىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} الفرقان (23)، فهذه الأعمال إختلطت إما بالرياء والنفاق أو بالبدع والشركيات وقد جاء في تفسير الجلالين في معنى الآية (إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه) ص (362)، ومن شروط قبول العمل الصالح الإيمان والتوحيد والإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والبدع ليست من المتابعة للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام مهما كانت فيها منافع للناس قال الإمام ابن كثير رحمه الله (وذلك لأنها فُقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل) تفسيره (3/385) قال الشيخ ابن ناصر السعدي رحمه الله في قوله تعالى {وَقَدِمْنَا إلىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} (أي أعمالهم التي رجو إن تكون خيرا وتعبوا فيها) وقال في قوله عزوجل {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} (أي باطلا مضمحلا قد خسروه وحُرموا أجره وعوقبوا عليه) تيسير الكريم الرحمان ص (552)، قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله (الهباء الذي كهيئته الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غبارا وليس بشيء لا تَقبض عليه الأيدي ولا يُرى ذلك في الظل "مَّنثُورًا" ماء مهراقا ويقال ما تذروه الرياح من حُطام أوراق الشجر وغيره) مختصر تفسيره ص (362)

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق