اليوم يئس الذين كفروا من دينكم

4 دقائق
8 محرم 1448 (24-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

اليوم يئس الذين كفروا من دينكم – سلمان النجران

نظرة مقاصدية في قوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]

-1 هذه الآية الكريمة جمعت من المعاني الكلية ما يدل على غاية ظهور الدين، وبلوغ كمال مقصوده؛ ففيها قيام الدين بظهور شعائره وشرائعه، فجاء قوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون﴾ تنبيهًا على إن اليأس المذكور لم يكن مجرد انقطاع طمع عارض، بل هو يأس دائم ناشئ عن ظهور الدين واستقرار أصوله وتشريعاته وامتناع أهله به، حتى انقطع رجاء الكافرين في إبطال أمره أو ردّ المؤمنين عنه أو النيل من بنيانه.

فكان هذا اليأس ثمرة ظهور الحق وقوة الشريعة، وتحقيقًا لمعنى الإظهار الموعود في قوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله﴾، إذ كان يوم عرفة مظهرًا لهذا الظهور في أكمل صوره، لما اجتمع فيه كمال التشريع، وعزة الجماعة، وذل الشرك، وانكشاف سلطان الحق، لذا لما ظهر الدين يوم عرفة يئس الكفار إن ينالوا وينقصوا وينقضوا شيئا من دين أهل الإسلام، فقد يئسوا يأسين: إن يرجع المؤمنون إلى دين المشركين، كما يئسوا من بطلان دين الإِسلام (زاد المسير) لأن ظهور الدين أبغض شيء وأكرهه للكفار وأهل النفاق: " {ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: 48].

-2 فلما تحقق هذا المعنى ناسب إن يقال لهم: ﴿فلا تخشوهم واخشون﴾، إذ الخشية من العدو إنما تكون عند توهّم تسلطه على الدين أو أهله، فلما أظهر الله دينه وقطع طمع خصومه، رُدّت القلوب عن الالتفات إلى خوف المخلوقين، وصُرفت إلى خشية الله وحده، إشارة إلى إن حفظ هذا الظهور وبقاء هذه المنة منوط ببقاء التقوى بإقامة الخشية منه سبحانه وتعالى دون غيره، فما انتصروا إلا بخشية الله وحده، وما يضعف دينهم ويسلط الكفار عليهم إلا بترك خشيته، بمخالفة أمر الله عز وجل ونهيه، فيعود أهل الكفر بقوتهم عليهم، فجمع بين عزة الدين وسببها، واحترز من سبب ضعف الدين وأهله، ولهذا في هذه السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع لم يحج فيها مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، إشعارا بقيام الدين وظهوره والتزام تشريعاته إذ لم يزل أهل الشرك بتشريعاتهم ظاهرين حتى هذه الحجة.

-3 فكان صدر الآية مقدمة لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ بيانا لمقصود كمال الدين بكمال: عزه وظهوره، وذلّ الشّرك ودروسه، لا مجرد تكامل الفرائض والسّنن، لأنّها لم تزل تنزل فروعه إلى إن قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قاله الشعبي، فأكمل لنا نصر الدين، وأزال الخوف من العدو، بالظهور عليهم (زاد المسير).

فكمال سلطان الدين يورث الأمن بعد الخوف، والعزة بعد الاستضعاف، وامتناع الشريعة من إن تنقضها قوى الكفر إذ لا معنى لتشريعات تكون ضعيفة مستباحة من العدو، ويكون تمام النعمة بالهداية إلى الإِيمان وكبت العدو والظهور عليه، واختيار هذه المعاني هي الأنسب للسياق فإن سياق الآية: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" وقبله: "صدوكم عن المسجد الحرام" وفي وقفاته عليه الصلاة والسلام على الصفا والمروة: "وهزم الأحزاب وحده" فكلها تؤشر إن في يوم الوقوف بعرفة ظهر أمر الله على الكفار، وارتفع منار الدين وغلب الأديان، فكان هذا اليوم يوم عيد لأهل الإسلام لعظم المنن فيه، كما قاله عمر بن الخطاب، وابن عباس رضي الله عنهم (البغوي، وابن كثير).

4 وعلى هذا كان قوله: ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ بيانًا إن تمام النعمة ليس في مجرد الهداية الباطنة وحدها، بل في الهداية المقترنة بظهور الدين، وكبت العدو، وتمكين أهل الإسلام من إقامة شرعهم آمنين ظاهرين؛ إذ لا يتم معنى النعمة إلا باجتماع هداية الحق مع قوة التمكين له فلا بد للدين من قوة تحميه وتقيمه.

5 ثم ختم بقوله: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾، فرضي لنا الإسلام دينا بشريعته وقوته وظهوره ليبقى أبدا، لنرضى به، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان بقوته في القلوب وظهوره على المل، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا، قاله ابن عباس رضي الله عنهما(ابن كثير).

لذا كان من أذكار الصباح والمساء التي تردد ثلاث مرار يوميا: "ما من عبد مسلم يقول ثلاث مرات حين يمسي أو يصبح: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا؛ إلا كان حقا على الله إن يرضيه يوم القيامة” (النسائي وهو صحيح).

-6 وفيه إشعار بأن هذا الرضى الإلهي لم يتعلق بمجرد انتساب، بل بدين محفوظ في أصوله، ظاهر في سلطانه، ممتنع بعزته، باقٍ على وجه لا تناله أيدي التحريف ولا يقوى عليه أهل الباطل ما دام أهله قائمين بحق الخشية التي أُمروا بها. فكأن الآية قد ردّت أمر حفظ الدين وعزّه إلى أصل واحد، وهو خشية الله؛ فمتى دامت خشية الله في الأمة دام لها عز الإسلام، وإذا ضُيعت الخشية عاد الخوف من العدو بقدر ما يقع من التفريط.

-7 فانتظمت الآية بهذا الاعتبار في تقرير مقاصد كلية: ترجع إلى حفظ الدين من جهة ظهوره، وحفظ الجماعة من جهة أمنها، وحفظ النعمة من جهة دوامها، وربط ذلك كله بأصل تعبدي جامع، وهو خشية الله، ليظهر إن قوة الأمة ليست مجرد قوة عدد وعدة ووسائل مجردة، وإنما أصلها القيام بحق الله، وأن هذا هو مناط دوام النصر وبقاء اليأس في قلوب أعداء الدين. وهذه معانٍ يعضدها السياق، ويشهد لها انتظام الآية، ويقويها ارتباطها بمشهد عرفة الذي تجلت فيه منن الله على عباده أكمل ما يكون.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق