تعلم علم الأدب والأخلاق

5 دقائق
8 محرم 1448 (24-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فيصادف المتفقهة وطلبة الحديث عنفا من البعض في الردود، مما يخالف حلية طالب العلم من اللطف والأدب وانتقاء الألفاظ، والعمل بقول الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾(الفتح: 29)، وقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾(البقرة: 83)، والكتابة الهادئة قياسا على اللفظ الهادئ المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾(لقمان: 19)، وقول النبي : «والكلمة الطيبة صدقة» متفق عليه. وقوله : «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (رواه الترمذي)، وقوله : «ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء» رواه الترمذي، وقوله : «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» متفق عليه.

وما يعانيه بعض طلبة العلم من أزمة الأخلاق والعنف في الخطاب يخالف نهج علمائنا الكبار مثل شيخنا الشيخ عبدالعزيز ابن باز والشيخ محمد ابن عثيمين وشيخنا الشيخ عبدالله ابن جبرين والشيخ عبدالعزيز آل الشيخ رحمهم الله، ومن قبلهم من علماء بلادنا من تأسيسها إلى عصرنا الحاضر، ولا يزال كبار علمائنا على هذا النهج ولله الحمد.

وقد روى البخاري برقم (3861) ومسلم برقم (2474) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَمَّا بَلَغَ أبا ذَرٍّ مَبعَثُ النَّبيِّ ، قال لأخيه: اركَبْ إلى هذا الوادي، فاعلَمْ لي عِلمَ هذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ، يَأتيه الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ، واسمَعْ مِن قَولِه ثُمَّ ائتِني، فانطَلَقَ الأخُ حتَّى قدِمَه، وسَمِعَ مِن قَولِه، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبي ذَرٍّ فقال له: رَأيتُه يَأمُرُ بمَكارِمِ الأخلاقِ.

وروى أحمد (8939)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (273) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق".

والخلق الحسن ثقيل في الميزان، فقد روى أبو داود (4799)، والترمذي (2003)، وأحمد (27496) عن أبي الدرداء يقول: قال رسول الله : "إن أفضل شيء في الميزان- قال ابن أبي بكير: أثقل شيء في الميزان- يوم القيامة الخلق الحسن".

والمأمول من طلبة العلم المتفقهة وطلبة الحديث إن يتعلموا الأدب ويدرسوه كما يتعلموا العلوم الأخرى، وفي هذا المقال بيان منهج مقترح لتعلم علم الأدب مع وصايا مهمة، نسأل الله للجميع التحلي بأخلاق النبي – – وصحبه الكرام.

أولا: دراسة كتب الحنابلة المفردة في علم الأدب

إن مما تميز به مذهب فقيه بني بكر بن وائل الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله أنه زاخر بكتب الآداب الشرعية المفردة.

  1. الآداب الشرعية والمنح المرعية: لمحمد بن مفلح المقدسي (ت 763ه). يُعد أوسع وأجمع كتاب في آداب المذهب الحنبلي، وقد طُبع في عدة مجلدات. وقد قرأت الطبعة المنشورة من مؤسسة الرسالة: بتحقيق شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، وفيها شيء من القصور في التخريج والتعليق مع بعض التطبيعات، وهو كتاب نافع عظيم، ويستحق إن يلخصه طالب العلم لنفسه. ثم نشرته دار الفتح، كما نشرته دار ركائز وتعد من الطبعات الحديثة والمتميزة.
  2. منظومة الآداب: لمحمد بن عبد القوي المرداوي (ت 699ه). وهي أصل كتاب "غذاء الألباب"، وقد طُبعت مفردة ومُشروحة.

وأهم شروحها:

  1. كتاب غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: للسفاريني (ت 1188ه). وهو شرح موسع لمنظومة ابن عبد القوي المرداوي، ويتميز بجمع الفروع الفقهية والآداب بأسلوب أدبي وعلمي رصين. وقد قرأت الطبعة القديمة غير المحققة، وانتفعت به ولله الحمد، ويستحق التكرار والمدارسة مع الإخوة طلاب العلم، ثم نشرته دار البشائر الإسلامية.
  2. فتح الوهاب في شرح منظومة الآداب: للإمام موسى بن أحمد الحجاوي(صاحب متن "الإقناع"). وهو شرح متوسط يُعنى بتوضيح معاني الأبيات وربطها بالمذهب الحنبلي، وقد حققه الشيخ د. عبدالسلام الشويعر، ويوجد تحقيق آخر لدار النوادر لنور الدين طالب، وقد قارنت بين النشرتين فوجدت في كل نسخة ما ليس في الأخرى.
  3. نزهة الأحباب في شرح منظومة الآداب: شرح جامع لفوائد المنظومة وأحكامها، ويُنسب للناظم نفسه شمس الدين محمد بن عبد القوي المرداوي المتوفى سنة 699 ه، ونشرته دار الإمام أحمد بتحقيق فيصل الحاشدي.

ثانيا: دراسة الكتب المفردة في أخلاق طالب العلم

مما كان علماؤنا يوصوننا به؛ مدارسة كتب أخلاق أهل الحديث، ومن الكتب المميزة التي أرشحها لدراسة علم الأخلاق التي ينبغي لطالب العلم إن يتحلى بها:

  1. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب البغدادي؛ وهو من أوسع الكتب التي فصلت في آداب المحدث وطالب الحديث.
  2. جامع بيان العلم وفضله: لابن عبد البر؛ يتناول فضل العلم وطرق تحصيله وما يجب على العالم والمتعلم.
  3. تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم: لبدر الدين ابن جماعة الكناني؛ كتاب منهجي ومنظم جدًا في آداب الطالب مع نفسه، ومع شيخه، وفي درسه.

كما إن مقدمة المجموع للنووي وكتابات الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – وخصوصا كتاب حلية طالب العلم وكتاب التعالم من الكتب المهمة لعلم آداب طلب العلم.

ثالثا: دراسة كتب الأدب المسندة

ألف في الأدب والأخلاق كتبا مفردة مسندة وأهمها:

  1. الأدب المفرد للإمام البخاري: وهو أشهر وأهم كتاب مسند في هذا الباب، وله شروح مكتوبة وشروح مسموعة، ولشيخا الدكتور عبدالله بن حمود التويجري – حفظه الله – درس فيه.
  2. كتاب الأدب لابن أبي شيبة: وهو جزء من كتابه الكبير "المصنف"، ويعد من أقدم المصادر المسندة في الآداب والرقائق.
  3. كتاب الأدب للبيهقي (الآداب): رتبه البيهقي بأسلوبه المعهود في الاستقصاء والتبويب، وهو مرجع أصيل في بابه.
  4. مكارم الأخلاق للخرائطي: اعتنى بجمع الأحاديث والآثار التي تحث على معالي الأخلاق.
  5. مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا: وهو أحد كتبه الكثيرة التي صنفها في الأخلاق والزهد والرقائق.

كما تشمل كتب السنة المسندة على كتب مفردة في الأدب مثل كتاب الأدب في "صحيح البخاري"، وكتاب البر والصلة والآداب في "صحيح مسلم"، وكتاب الأدب في "سنن أبي داود"، وكتاب الأدب في "جامع الترمذي".

رابعا: كتب الأدب التي جمعت النصوص من كتب السنة

من أشهر تلك الكتب كتاب رياض الصالحين للنووي، وهو من أشهر كتب في هذا الباب، وكتاب المتجر الصالح للدمياطي، وكتاب مشكاة المصابيح، وكتاب الترغيب والترهيب للمنذري.

رابعا: وصايا لطالب العلم

  1. لا تقرأ كتب الردود في بدايات طلب العلم، واحرص على التأصيل والتحصيل والإتقان لمتون العلم.
  2. ابتعد عن القراءة لمن يشتد في كلامه على المخالفين، مثل ابن حزم، وهذه وصية مشهورة من علماء بلادنا، قال الشيخ محم ابن عثيمين رحمه الله في مجموع فتاواه 26/ 106:

https: //ketabonline. com/ar/books/1286/read؟ part=26&page=10847&index=3837098/3837198/3837211

"مناظرة ابن حزم- رحمه الله- مناظرة صعبة، يشدد على خصمه، ويحصل منه أحيانًا سبّ لمخالفه، فهو- رحمه الله — كان شديدًا جدًا، وأخشى إن يكون طالب العلم الصغير إذا تعود. على مثل ما كان عليه ابن حزم أخشى عليه من المماراة، فلو أنه سلك مسلكًا سهلًا لكان أحسن، وإذا حصل على قدر كبير من العلم- إن شاء الله- وعرف كيف يستفيد من ابن حزم فليطالع في كتابه، لذلك لا أنصح بمطالعته للطالب المبتدئ، لكن التمرن على المجادلة لإثبات الحق أمر لابد منه، فكثير من الناس عنده علم واسع ولكنه عند المجادلة لا يستطيع إثبات الحق".

ومثله الحضور وسماع دروس من اشتهرت شدته في كلامه على الآخرين، فإن ذلك يؤثر في طبعك وأخلاقك.

وأخيرا:

احرص على الدعاء بأن يرزقك الله حسن الأخلاق، ومن الأدعية المأثورة في ذلك:

  • واهدِني لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يَهدي لأحسَنِها إلَّا أنتَ، رواه مسلم برقم 771 عن علي رضي الله عنه.
  • اللهم إني أعوذ بك ‌من ‌منكرات ‌الأخلاق، ‌والأعمال ‌والأهواء. رواه ابن حبان (960) والترمذي (3591)، الطبراني (19/ 19) (36)، والحاكم (1949)عن زياد بن علاقة، عن عمه، قال: كان النبي يقوله.

أسأل الله إن يرزقنا حسن الخلق وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق