بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله الذي أعلى معالم َالعلمِ وأعلامَه، وأظهرَ شَعَائِرَ الشرّعِ وأحكامَه، بعث الرُّسُلَ إلى سُبلِ الحقِّ هادينَ، وأخلَفهم بعلماءَ إلى سُننِ الهدى دَاعِينَ، نحمده حمدا يليق بجلال عظمته وعظيم سلطانه، ونشهدُ إن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الملكُ الحقُّ المُبينُ، جعل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أمانًا من العذاب، ونشهدُ إن نبيّنا محمّدا عبدُ الله ورسولُه البشير النذير، والسّراج المنير، ﴿يَا أَيُّهَا النبيّ إنّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشرّا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾[الأحزاب: 45-46] صلّى الله وسلّم وبارك عليه)، وعلى آله وأصحابِه والتّابعين ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدّنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [148: آل عمران] أمّا بعد، أيّها المؤمنون الكرام، فقد قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) فهل أنا وأنت من حُماة هذه السّفينة والمحافظين عليها؟ أم أنا وأنت من الخارقين لها، والمفسدين فيها، بحسن نيّة أو بسوء نيّة؟ هل حالنا في المجتمع وحال المجتمع يختلف عن حال ركاّب السّفينة وعن حال السّفينة؟ وكيف يمكن إن نصف ما يحدث هذه الأيام في أماكن مختلفة من وطننا؟ وماذا يمكن إن نسمّي ما يحدث من حرق للإدارات العموميّة والمرافق العامّة وإتلاف للأملاك العامّة؟ الذي ينبغي إن يُدرك جيّدا إن الفساد حين يبلغ بالمجتمع هذا المبلغ، فقل: "على الفضيلة السّلام"، وصلّ صلّاةَ الغائب على الأخيار، إلا إن يتداركهم اللهُ برحمته، ويبعثَ من يوقظُهم من غفلتهم ولامبالاتهم. أيها المؤمنون الكرام، إن من يخرق السّفينة هم أولئك الذين يهدّدون أمن المجتمع ويعتدون على أملاك المجموعة ويضربّون عرض الحائط بكلّ القيم والمواثيق. إنّهم أنانيّون لا يراعون إلاّ مشاعرهم ولا يرضون إلاّ ذواتهم. وإن لاحت لهم بوادرُ الخطوب، لا يهمّهم صلّاح المجتمع أو فسادُه. فدائرةُ تفكيرهم ضيّقة، ومساحة الغيرة على وطنهم محدودة، إن لم تكن منعدمة. مشكلّتنا الحاليّة ليست في قضية الوعي بالحقوق في عقول العامّة، وإنما في لغة نقل الأحداث والإعلام عنها، والتي تكرّس وتعيد إنتاج السّلبيّات بصورة أقسى وأقبح بكثير من واقعها. وهذا ليس لأجل خدمة الحقيقة والموضوعيّة التي تدّعيها، إنما لخدمة أغراض تزيد الأوضاع سوءا وتزرع الفتنة في صفوف العامّة. ويُسهم في خرق السّفينة، أيضا، سطحيّون لا يدركون حجمَ الخطر، ولا يتصوّرون ضخامة المصيبة النّازلة، ولا ينظرون إلى مستقبل الأيّام بعمقٍ وروّية، ولا يسمعون للنّداءات المحذّرة، وإن سمعوا لم يستجيبوا، وإذا علا صوتُ النّذير رأوه مبالغًا، وإذا اتّضح هدفُ المفسدين، لم يحرّكوا ساكنًا ولم يدفعوا باطلًا. ويخرق السّفينة، أيضا، أحمقُ متهوّر يريد إن ينتقم لنفسه، أو ينتقم من الآخرين، إمّا لخدمة أهداف مشبوهة أو لتنفيذ إملاءات لا يدرك عاقبتها. فيحاولُ، بكلّ وسيلة، إغراق أهل المركبة، حتى وإن كان هو ضمن قائمة الغرقى. تضيق به مساربّ الحياة، فيختارُ تحطيمَ نفسِه والآخرين. إن شقاء المجتمع وتعاسة العامّة فيه قد يكون بسبب فساد سياسييه ومترفيه ومستغلّيه. ولكن قد يكون السّبب، أيضًا، فساد الفرد في المجتمع، أو انحراف مجموعة قليلة من أبنائه، وما أهلك الله قوم ثمود إلا بسبب رضاهم عن فساد عدد قليل من الأفراد قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصلّحُونَ﴾[النمل: 48]. ذمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صنيع من كانوا في أسفل السفينة وأرادوا إن يخرقوها، فيضرّون بذلك أنفسهم، ويتسببون في إلحاق الضّرر بغيرهم، وحذّر النبيّ ّصلّى الله عليه وسلّم من ذلك، أشدّ التّحذير، فقال: «مَن ضارَّ أضرَّ اللَّهُ بهِ ومَن شاقَّ شقَّ اللَّهُ علَيهِ) أي: من أدخل على أحد مضرّة في ماله أو نفسه أو عرضه، بغير حقّ، جازاه الله تعالى من جنس فعله وأدخل عليه المضرّة، ومن أوصل مشقّة إلى غيره، ظلما، وتعديا أنزل الله تعالى عليه المشقة جزاء وفاقا. أيها المؤمنون الكرام، ألا ينطبق علينا قوله، سبحانه وتعالى، في محكم تنزيله: ﴿يُخْربّونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ﴾[الحشرّ: 2]؟ أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرّحيم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
الخطبة الثّانية:
الحمدُ لله الذي كرَّمَ المُؤمنينَ بالطَّاعاتِ، وتوعَّد أهلَ المعَاصِي بِأنواعِ العُقُوبَاتِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ خَالدّين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13-14]. أحمدُه سبحانه وقد أحاطَ بكلّ شيء عِلمًا، أهلٌ هو إن يُعبدَ، وأهلٌ هو إن يُحمدَ، وأهلٌ هو إن يُشكرَ، نِعمَه لا تُعدُّ، وخيراتُه لا تُحدُّ، ونشهدُ إن لا إله إلاَّ اللهُ وحده، لا شريك له، ربّ الأَرضِ والسَّماواتِ أَمرَ المُؤمنينَ بِإنّكارِ المنكرات في جَميعِ الحَالاتِ، ونشهد إن محمّدا عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ تَرَكنا على مَحجَّةٍ بَيضَاءَ لا يَزِيغُ عَنها إلاَّ أَهلُ الضَّلالِ والأَهواءِ، صلّى اللهُ وسلّم وَبَارَكَ عليهِ وعلى آله وأَصحابِهِ الأَتقياءِ الأوفياءِ، ومن تبعهم، بإحسان، إلى يومِ الِّلقَاءِ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾[الروم: 15] أيّها المؤمنون الكرام، أما إن الأوان بعد كلّ هذه الممارسات التخريبيّة والفوضى العارمة، والخسائر التي تطال المال العام ّوالخاصّ إن ندرك بأنّ من بني جلدتنا ومن بين ظهرانينا أناس أصبحوا يخربّون بيوتهم بأيديهم؟! ألم يدركوا بعد، إن ما تم بناؤه في سنوات طويلة يتمّ تدميره في أيام معدودات! والحسرة على ذلك لم تقف عند هذا الحد، فالخسائر ما زالت تتضاعف وبعض الشّباب مستمر في تجنيد نفسه في خروقات مشينة؛ لم لا يكون التّعبير عن الرّفض وعن الاحتجاج وعن الغضب بطرق سلميّة ودون إلحاق أضرار بالممتلكات العأمّة ودون تعدّ على حقوق الآخرين؟ أيها المؤمنون: خير النّاس أحسنهم للناس، وأحب عباد الله أنفعهم لعباده. وقد ذم ّالله، سبحإنّه، من يتسبّب في إلحاق الضّرر بمجتمعه ووطنه فقال جل شأنه: ﴿يُخْربّونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشرّ: 3] أي يهدمون بيوتهم بأيديهم، ، بمن فيه وما فيه، أمانة مشتركة يجب المحافظة عليها. ومما اشتمل عليه الحديث من الفوائد: دفع الشرّ والضّرر قبل وقوعه، وسدّ ذرائع الفتن قبل حلولها، بتوعية الجاهل، وتنبيّه الغافل، وتعليم الصّغير، والأخذ على يد السّفيه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين