بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
مما لا شك فيه عندي إن كثيرًا من الناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن راحة الرأس؛ يريدون من يقول لهم: المسألة واضحة، لا من يفتح لهم باب النظر والمراجعة. فالجواب الجاهز أحنّ على العقول الكسولة من البرهان المتعب، والخلاصة المختصرة أشهى من رحلة الفهم الطويلة.
النتيجة بلا طريق:
وجب عندي إن أقولها بصراحة: من أعطى الناس نتيجةً بلا طريق، امتلك قلوبهم أسرع ممن دلّهم على الطريق؛ لأن الطريق يحتاج صبرًا وتواضعًا واحتمالًا مؤلمًا بأن الفكرة الأولى ناقصة أو متسرعة. أما النتيجة الجاهزة ففيها لذة الانتصار بلا معركة، ونشوة اليقين بلا كلفة، ومتعة الحسم بلا تعب.
سحر الشعارات:
في أمرٍ صار مشهورًا عند أهل الشعارات: كلما قلّ البرهان ارتفعت نبرة اليقين. تُقال الجملة بثقةٍ صلبة، فيظن السامع إن خلفها مكتبة كاملة، فإذا فتشت وجدت خلفها مقطعًا عابرًا، وذاكرة متحمسة، واندفاعًا يلبس عباءة العلم.
من الفكرة إلى المحاماة:
يأخذ بعض الناس الفكرة كما تُؤخذ الحلوى من يد البائع، ثم يخرجون يدافعون عنها كأنهم شهدوا ولادتها في المختبر. يعرف أحدهم من الفكرة عنوانها العريض ومقبضها الحاد، ثم يرفعها كالسيف في وجه كل مخالف، ويصبحُ محاميًا عن قضية لم يقرأ ملفها أصلًا.
اليقين المستعار:
هذا هو القول الحق عندي: بعض الناس لا يتبنون الأفكار لأنهم بحثوها، بل لأن أحدًا قالها بثقة تشبه اليقين. فإذا أعجبتهم النبرة صدّقوا الفكرة، وإذا أدهشهم الاختصار حسبوه عمقًا، وإذا سخنت العبارة ظنوها برهانًا.
صناعة الإمام اللحظي:
هكذا يتحول الرأي الخفيف إلى عقيدة ثقيلة، والجملة اليتيمة إلى دستور، وصاحب العبارة إلى إمام مرحلة. وكل ذلك لأن العبارة جاءت في هيئة حاسمة، لا لأنها قامت على أصلٍ متين أو برهانٍ صابر
ومع ذلك كله، فهذه الخواطر التي أوردتها آنفًا ليست أحكامًا نهائية منزلةً من سماء القطع، ولا قضايا أغلقتُ عليها باب المراجعة، وإنما هي ظنونٌ وتأملاتٌ ولّدها النظر في أحوال الناس مع الأفكار والشعارات. غير أنني أحببتُ إن أستعير، عمدًا، ذلك الأسلوب الحاسم الذي يستعمله بعضهم حين يتكلم في المسائل كأنه يقرأ حكمًا قضائيًا باتًّا، لا رأيًا بشريًا قابلًا للنظر والاستدراك.
ولو أردتُ إن أكون وفيًّا لفكرة النص، لقلت: لا تصدق هذا النص كاملًا، فتّشه، وراجعه، فالتصفيق العاجل هو ابن عمّ التصديق السريع، وكلاهما من عائلةٍ واحدة تحب الاختصار وتكره التحقيق، فالنص الذي يحارب الخلاصات الجاهزة لا يليق به إن يتحول إلى خلاصة جاهزة جديدة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين