بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
أخي القارئ...
قف معي مليًا على عتبات هذه الآيات الندية من سورة الأنبياء، لنخلع عن أرواحنا رداء العادة، ونرتدي ثوب الدهشة الواعية؛ إننا هنا لا نمرُّ على كلماتٍ تُرتّل في سطور، بل نستعرض ميثاق الأمن والعُمْر، حيث يلتقي برهانُ العقل السَّاطِعِ بأشواقِ القلب الخَافِقِ ليرسما معًا لوحة الحقيقة الكبرى، ويُرمّما ما هدمتهُ مادِّيَّاتُ الغفلة.
وتبدأ هذه الرحلة بسؤالٍ يرجُّ وجدان الساهي عن حقيقة وجوده: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ﴾، وتأمل هنا لفظة "يكلؤكم" التي تختزل الكلاءة الربانية في أعلى مراتب الحراسة المصحوبة بالعناية والرحمة؛ فهل تفكّرت يومًا وأنت تُغلق عينيك لتستسلم للنوم، مَنِ الَّذِي يُمِيتُ الحَرَكَةَ فِي جَسَدِكَ وَيَحْفَظُ نَبْضَ قَلْبِكَ؟
وَمَنِ الَّذِي يَقُودُ خُطَاكَ فِي زِحَامِ النَّهَارِ فَيَقِيكَ مَصَارِعَ السُّوءِ؟
إن العَقْلَ المُبْصِرُ يُدْرِكُ إن اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الحَافِظُ لِلْعَبْدِ، ولا تنفع أمامه أقوى منظومات الحراسة البشرية ببالغ قدرته، لَكِنَّ القَلْبَ قَدْ يُصَابُ بِرَانِ الغَفْلَةِ فَيَعْمَى عَنْ رُؤْيَةِ هَذِهِ النَّعَمِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ كُلَّ لَحْظَةٍ، فَيَقَعُ فِي فَخِّ الإعراضِ القاتل: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وحين تقوم معافى من فراشك، أو ترى سلامتك من حادث أو مرض، فلا تحسب ذلك مصادفة عابرة، بل حوّله إلى موصل يربطك بالمنعم لتجعل أذكار صباحك ومسائك ونومك وِرْدًا ثابتًا تعيش به في كنف الحفيظ.
هذا الحفظ الرباني ينقلنا مباشرة إلى مواجهة صريحة مع مخاوفنا وملاذاتنا الأرضية حين يسقط الوهم أمام الحقيقة: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾، فكم مرة علّقنا قلوبنا بأسباب مادية أو بشر ظننا إن فيهم المنعة والخلاص؟
هنا يكسر القرآن صلف المادة؛ فالمخلوق الذي لا يستطيع دفع الضر عن نفسه، كيف له إن يحمي غيره؟
بل إن أعظم الخسران هو الخذلان الذي يعبّر عنه قوله: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾، فمن حُرم صحبة التوفيق وتأييد الله، فقد تُرك لعجزه الأبدي.
ومن هنا تنبثق حنكة التعامل مع الحياة: إن تأخذ بالأسباب كلها عَقْلًا لأنها طريق الدنيا، ثم تنفض يديك منها تمامًا وتتوكل على الله وحده قَلْبًا لأنه طريق النجاة؛ فإذا طرقت الشدائد بابك، قدّم لجوء المضطر ودعاء الافتقار بقولك "حسبي الله ونعم الوكيل" قبل إن تلتفت لمعاون البشر.
لكن المفارقة العجيبة تكمن في إن هذا العجز البشري كثيرًا ما يغطيه رداء آخر، وهو أعمق مرض يصيب النفس؛ غرور التدرج في النعيم وطول الأمل: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.
إن طول العمر مع تدفق المتاع والصحة ليس صك رضا، بل قد يكون استدراجًا تنفرط معه الساعات دون بناء حقيقي، وبينما ينظر العقل المادي إلى الحياة كأنها خالدة، يأتي التنبيه الإلهي البليغ ليحطّم هذا الوهم تدرجًا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
وتأمل هذا النقص الجليل؛ إنه زوال الدول، وتقلب الأحوال، وفقد الأحبة والأقران من حولك، فكل مشهد لتغيّر الدنيا هو اقتطاع من طرف أرضك، وإشارة إلى إن الحياة زائلة مهما طال بالإنسان الزمن.
وهذا يقتضي إن تحاسب نفسك حساب الشريك الشحيح، فلا تغتر بعافية، وتجعل لك في كل يوم عملًا صالحًا ثابتًا ولو قلّ، ليكون ذخرًا لك يوم تبقى الأعمال وتفنى الأجساد.
وفي ختام هذا التتابع المشحون بالدلالات، يقرع الوحي مسامعنا بسؤال مزلزل تقشعر منه الجلود، ويقف العقل أمامه خاشعًا ذليلًا، بينما يرتجف القلب هيبة: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؟
إنه ليس استفهامًا ينتظر جوابًا لسانيًا، بل هو حجة تقتلع جذور الكبر البشري لتدع القلب قاعًا صفصفًا لا يعلو فيه إلا التوحيد؛ أفهم الغالبون حين تأخذهم المنية بغتة وهم عنها غافلون؟
أفهم الغالبون حين يقفون مسلوبي الإرادة أمام بارئهم؟
أفهم الغالبون حين تُختطف أجسادهم إلى باطن الأرض التي عمروها ونسوا صانعها؟
أخي القارئ.
إن العقل قد أذعن للبرهان، وإن القلب قد هزّه الشوق والخوف معًا، فلا تسمح لرداء الغفلة إن يعود إلى روحك بعد هذه المناجاة.
قف أمام مرآة نفسك الآن، واسألها بصدق يزلزل سكونها: إلى متى الرهان على دنيا تنتقص من أطرافها كل يوم؟
وهل أنت حقًا في كلاءة الرحمن بذكره، أم إن روحك لا تزال عن محرابه معرضة؟
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين