بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من أشقّ صور العيش إن نمشي وفي صدورنا موازين مكسورة؛ نضع اللحظات الخاطفة في كفّة المصير، ونمنح نظرات الناس ختمَ القضاء، ونستقبل الخسائر العابرة كأنها انهدام الوجود. هكذا تتناسل الهموم في داخلنا، لا لأنها كثيرة في ذاتها، بل لأن الدنيا انتفخت في شعورنا، وتمدّدت في خيالنا، واستعارت من الآخرة هيبتها، حتى صارت أكبر من قدرها، وأعرض من ظلّها، وأعلى ضجيجًا من اليوم الذي إليه المسير.
ولكثير من الهمّ أصلٌ صغيرٌ مستتر؛ لحظة يتسلل فيها حبّ الدنيا إلى حجرات القلوب، ثم يأخذ في توسيع الجدران على حساب السماء. فإذا كبُرت الدنيا في الداخل، صارت التفاصيل في الخارج وحوشًا، والقرارات الصغيرة مفترقاتٍ مصيرية، والكلمات العابرة جراحًا ذات أنياب، والمكاسب المؤقتة كأنها خواتيم الأقدار. والسرّ إن القلوب إذا تعلّقت بالدنيا ألبستها ثوبًا من الجلال خُيّط في الأصل للآخرة؛ فتعاني الإرهاق عند كل فوات، وتشعر بالضيق مع كل تأخير، وتطيل الوقوف على أعتاب أشياء خلقها الله عابرة، لتمضي كما يمضي الظل عند ميل النهار.
والتعلّق بالدنيا ليس حركة أيدٍ قبل إن يكون رجفة قلوب؛ نراه في حرصٍ ينهش الطمأنينة، وفي خوفٍ يسبق الحوادث، وفي مقارنةٍ تصنع من أعين الناس مرايا معذِّبة، وفي تفكيرٍ يدور حول أشياء يصل آخر أثرها إلى حافة القبر ثم يتلاشى. والقرآن يعيد الدنيا إلى قامتها الحقيقية، يخلع عنها قناع الضخامة، ويعرضها في مشهدٍ واحد كأنما يضع تاريخ الانشغال البشري كله في مرآة: قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. هذه الآية تشريحٌ عميق لمعامل صناعة الهمّ فينا: لعبٌ يبتلع العمر في صورة خفيفة، ولهوٌ يسحب الروح من مركزها، وزينةٌ تستدرج العين، وتفاخرٌ يجعلنا نعيش داخل مقاييس الآخرين، وتكاثرٌ يحوّل القلوب إلى دفاتر حسابٍ مفتوحة على ما في أيدي الناس.
ثم يعرض القرآن الدنيا في مشهد نباتيّ مدهش؛ ماءٌ ينزل، ونباتٌ يختلط، وخضرةٌ تخدع العين، ثم هشيمٌ تحمله الرياح، كأنما الوجود الدنيوي كله يمرّ أمام البصيرة في فصلٍ واحد: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. هذا هو وجه الدنيا في البيان القرآني: نضارةٌ يعقبها اصفرار، وامتلاءٌ ينتهي إلى خفة، ومشهدٌ يفتن العين ثم يصبح مادةً للريح. ثم يأتي الميزان بعد الصورة مباشرة: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].
ومن هنا يولد فقه الحياة الهادئة: إن نرى المال والجاه والعلاقات والمشروعات جسورًا لا أوطانًا، وأوعيةً لا غايات، وممراتٍ إلى الله لا متاهاتٍ عنه. نتعامل معها بأيدٍ عاملة، وقلوبٍ معلّقة بالباقيات الصالحات، وقد اختصر القرآن انحراف الرغبة وميزان البقاء في قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]. فالدنيا قريبةٌ لامعةٌ سريعة، والآخرة خيرٌ وأبقى؛ وكلما ارتحلت القلوب من فتنة القريب إلى بصيرة الباقي، خفّت حقائبها، وهدأت قراراتها، وصار خوفها أنبل؛ خوفًا على صحائف ستُفتح، وعلى خواتيم ستُكتب، وعلى ذرات العمل التي ستخرج من غيب النسيان إلى عين المشاهدة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨].
وقد جاءت أوصاف الدنيا في القرآن كأنها مفاتيح لفكّ سحرها عن القلوب؛ فهي لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، كما في آية الحديد، وهي متاع الغرور: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهي متاع قليل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ [النساء: ٧٧]، وهي متاع الحياة الدنيا الذي تخفت لمعته أمام ما عند الله: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الشورى: ٣٦]، وهي عرضٌ قريب يلمع للنفس بسرعة الجاذبية: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وهي زينةٌ في المال والبنين: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وهي ميدان ابتلاء تكشف فيه الأعمال أقدار القلوب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وهي مرحلة يعقبها موتٌ ووفاء أجور وحساب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهي لهوٌ ولعب حين تتربع غايةً على عرش القلب: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وهي فتنةٌ في المال والولد: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وهي مشهد الشهوات المزيّنة: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، وهي سريعة الانقلاب، مزهرةٌ في الظاهر، حاصدةٌ في النهاية: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. وهكذا تتآزر هذه الأوصاف على معنى واحد: الدنيا بهاءٌ عابر، وزينةٌ ممتحِنة، وممرٌّ قصير، ومتاعٌ قابل للانخداع، والعباد الراشدون يأخذون نصيبهم منها دون إن يسلّموها مفاتيح قلوبهم، ويمشون فيها بعيونٍ على الرزق وقلوبٍ وعقولٍ على المصير، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
ومن هنا ندرك إن طمأنينتنا لا تُسرق دفعةً واحدة، بل تُنتزع منا خيطًا خيطًا؛ حين نكبّر ما صغّره الله، ونعلّق القلب بما جُعل للعبور، ونمنح الدنيا حقّ الآخرة في الخوف والرجاء والانتظار. فالذي سرق طمأنينتنا في الحقيقة ليس الفقر وحده، ولا الخسارة وحدها، ولا كلام الناس وحده، وإنما ذلك الميزان المضطرب في داخلنا حين صارت الدنيا أكبر من حجمها، وصارت الآخرة أبعد من حضورها.
وحين يعود القلب إلى الله، تعود الأشياء إلى مقاديرها؛ المال رزقٌ لا معبود، والناس شهودٌ لا قضاة، والفوات تدبيرٌ لا هلاك، والتأخير حكمةٌ لا حرمان، والخسارة بابٌ لا نهاية. عندها لا تزول هموم الحياة كلها، ولكن تزول عنها سلطة السلب، فلا تملك إن تخطف السكينة من موضعها، ولا إن تجعل القلب أسيرًا لما يفنى
اللهم لا تجعل الدنيا تكبر في صدورنا حتى تضيق بها أرواحنا، واجعلها في أيدينا زادًا للعبور، لا قيدًا على القلوب، واملأ صحائفنا بما يسرّنا يوم نلقاك، واجعل خير أيامنا يوم رضاك عنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين