بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إن في نواميس الكون طردا بين القوة والزمن يعرفه العلماء ويلمسه البسطاء؛ فكلما تعاظمت القوة وتسارعت، تقاصر الزمن وتضاءل.
ومثال ذلك في واقعنا البشري أنك لو طلبت من طفل صغير في بدء عمره، يكاد يتعثر في خطواته، إن يأتيك بشيء لا يبعد عنه إلا قليلا، لاستغرق في ذلك دهرا من دقائقه لضعف بنيته وقلة حيلته. بينما لو ندبت للأمر نفسه رجلا جلدا مقداما، لوثب وثبة لا يرتد معها طرفك حتى تكون حاجتك بين يديك؛ فبفضل القوة الفارقة انطوى الزمن.
وهذا التدرج نشهده أيضا في رحلة المرء من حاضرة "الليث" إلى بيت الله الحرام في "مكة"؛ فمن يسير على قدميه حاملا عناءه، يقطع الفيافي في يوم أو يومين، ثم يقل ذلك العناء ويقصر المدى لو ركب دابة، ثم يتلوه تداني المسير جدا متى استقل سيارة أو طائرة، حتى صارت الصواريخ النفاثة وكبسولات الفضاء اليوم تطوي القارات وتختصر المسافات الشاسعة في دقائق معدودات أو ثوان حاسمات.
فإذا كان الإنسان، على ضعفه ومحدودية ملكاته، قد صنع بالقوة التي أودعها الله فيه هذا الإعجاز الزمني، فما ظنك بقدرة رب العالمين، وجلال خالق السماوات والأرضين؟!
عند الملك الحق تتلاشى المقاييس البشرية، ويسقط الزمن تماما؛ فالزمن مخلوق من مخلوقاته، والخالق لا تحكمه قوانين صنعته. ومن هنا نتفهم لماذا استفتح الله جل وعلا كتابه بتنزيه نفسه وتقديس ذاته في مطلع معجزة الإسراء، فقال: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا".
لقد تعامى المشركون بغباوتهم عن حقيقة اللفظ، فالنبي الكريم ﷺ لم يقل لهم: "إني سريت بنفسي"، فلو كان الفعل منه لجاز لهم بمقاييس البشر إن يكذبوه لأنه لا يملك القوة التي تقطع رحلة شهرين في جزء من الليل، ولكنه ﷺ قال: "أسري بي"، فالمسري هو الله، وإذا نسب الفعل إلى المولى فلا تسل عن الزمن كيف كان، ولا عن المدى كيف انطوى.
لم تكن الرحلة إلى بيت المقدس فحسب، بل عرج به ﷺ إلى السماوات العلا، فجاز السماء تلو السماء، ورأى سدرة المنتهى وعندها جنة المأوى، وخاطب ربه وكلمه، ثم عاد إلى بيت المقدس، ومنه ركب البراق راجعا إلى مكة، والمسافات الشاسعة تُطوى طيًّا، وفراشه الشريف لم يكد يبرد بعد.
ونحن نعلم بالعادة إن نوم الإنسان، حتى في الأجواء الباردة، يكسب مضجعه دفئا من حرارة جسده، فإذا قام استغرق الفراش وقتا ليبرد، ولكن الرسول ﷺ رحل وعاد ومكانه لا يزال دافئا، مما يعني إن تلك الرحلة الكونية الكبرى لم تستغرق بمعايير أهل الأرض إلا لمحة بصر أو هو أقرب.
إنه التسليم المطلق لقدرة من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذا أراد أمرا فليس ثمت زمن، إنما هو إن يقول له كن فيكون.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين