بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
1- أَحدَاثُ قِصَّةِ أَصحَابِ الفِيلِ.
2- وَقَفَاتّ مَعَ مَعَانِي الْآيَاتِ.
الهَدَفُ مِنَ الخُطبَةِ: التذكير بأَحدَاث قِصَّةِ أَصحَابِ الفِيلِ، وَوَقفَةٌ مَعَ مَعَانِي آيَاتِ السُّورَةُ.
• ومناسبة السورة لما قبلها، وما بعدها:
قبلها سورة الهمزة: تتحدث عن أوصاف الذين خسروا: همزة، لمزة، جمع مالًا وعدده، يحسَبُ إن ماله أخلده.
وسورة الفيل: تتكلم عن نموذج من أولئك الخاسرين، وهو أبرهه الذي جمع مالًا وحاول إن يهدم الكعبة؛ فأهلكه الله تعالى في الدنيا.
وسورة قريش بعدها: تذكِّرُ قريشًا بهذه النعمة؛ نعمة إهلاك أبرهة وجنوده، ونعمة الأمن حيث كانوا يتحركون إلى الشام وإلى اليمن في الشتاء والصيف ولا يتعرض لهم أحدٌ؛ قال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}
• موضوع السُّورَةِ:
تحكي سورة الفيل: قصة محاولة أبرهة الحبشي الأشرم هدم الكعبة، وكان صاحب أعظم قوة عسكرية قَبْل البعثة ضد العرب في ذلك الزمان، وكانت أحداث هذه القصة: قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة؛ أي في العام الذي ولد فيه؛ حيث أنه وُلِدَ بعد خمسين يومًا من أحداث قصة أصحاب الفيل.
ولأن الناس لم يكونوا يؤرخون بالأرقام في ذلك الوقت؛ بل يؤرخون بالأحداث العظام؛ ولذلك سُمِّيَ هذا العامُ بعام الفيل.
• ومن هنا نعلم خطأ من يقول: بمشروعية وجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؛ فهذا من البدع والمحدثات؛ وذلك لأمرين:
أولًا: فإن تحديد اليوم الذي وُلِدَ فيه من شهر ربيع الأول مُختَلف فيه بين أهل السير كما ذكرنا!
ثانيًا: إذا نظرنا في تاريخ هذا العمل وبداية نشأته ووجوده، فإنك لا ترى له وجودًا إلا في القرن الرابع الهجري، وأما قبل ذلك في القرون المفضَّلة؛ قرن الصحابة والتابعين ومن تبِعهم من أتباع التابعين، كل هؤلاء لم يقع عندهم ولا في زمانهم شيء من هذه الاحتفالات.
• فهذا الفعل إذا أردنا إن نحاكمه إلى السنة، فسنجد أنه لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، ولا أحد من صحابته ولا أئمة المذاهب الأربعة؛ ولذا فقد حكمنا عليه أنه من البدع والمحدثات، ومن فعله فهو آثِمٌ، ولا يُؤجَر عليه.
أما أحداث القصة:
• فلما وصل أبرهةُ وجيشُه قريبًا من الكعبة أرسلَ اللهُ تعالى عليهم طيرًا تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فما أصابت أحدًا منهم إلا مات حالًا أو مآلًا؛ إما إن يموت في وقته، وإما إن تتساقط أعضاؤه حتى يموت، فأهلكهم الله وجعلهم صرعَىٰ أجمعين؛ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ}
نسأل الله العظيم إن ينصُرَ الإسلام والمسلمين، وأن يُعلِيَ كلمةَ الدين.
الخطبة الثانية: وَقَفَاتّ مَعَ مَعَانِي الْآيَاتِ.
• أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، فقد بدأت السورة بأسلوب الاستفهام؛ ومن المعلوم: إن فواتح السور عشرة أنواع: النداء، والثناء، والدعاء، والشرط، والاستفهام، والخبر، والحروف المقطعة، والأمر، والقسم، والتعليل وقد افتُتحت به سورةٌ واحدةٌ وهي سورةُ قريش.
قَولُهُ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل}؛ وَالْخِطابُ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب عام أيضًا؛ أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟!
قَولُهُ: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل}؛ أي: جعل الله سَعْيَهُمْ في هَدْمِ الْكَعْبَةِ في تَضْيِيعٍ وَإبْطَالٍ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرَادِهِمْ، ولم يهدموا إلا أنفسهم!
• وَهَكذَا هو مَصيرُ كُلُّ مَنْ أَرَادَ الْكَيْدَ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل}، وَعن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، إن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إن اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد}
• تعلمنا هذه الآية: كَمَالَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتَهُ عَلَى الاِنْتِقَامِ مِنْ أَعْدائِهِ؛ وفي ذلك تَسْلِيَةٌ لِلأمة على ما تَمرُّ به من الظُّلْمِ.
قَولُهُ: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل}؛ أي: جَماعَاتٍ مُتَفَرِّقَةً يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
• فإنَّ للهِ تَعَالَى جُنُودًا تَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؛ وهذا يَزيدُ في الْقَلْبِ الْيَقينَ بِقُدْرَةِ اللهِ تعالى وَعَظَمَتِهِ؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}
• ولا يعلم عددهم وكثرتهم إلا الله؛ قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}
• وجنود الله لا يُهزمون أبدا؛ قال الله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}
• ومن هذه الجنود:
1- السيول والفيضانات؛ التي أهلك الله تعالى بها قوم سبأ؛ قال تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}
2- ومنها: المطر الذي أهلك به قوم لوط؛ قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}
3- ومنها: الرياح التي أهلك بها قوم عاد؛ قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}
4- ومنها: الصواعق التي أهلك بها قوم ثمود؛ قال تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ}
5- ومنها: الملائكة التي نصر بها المسلمين يوم بدر؛ كما قال تعالى: {إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}
6- ومنها: هذه الطير: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}؛ اغتروا بالفيل؛ فأهلكهم الله تعالى بأضعف جنده: الطير!
• وهكذا كل قوم أرسل عليهم عذاب خاص بهم؛ كما قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
قَولُهُ: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيل}؛ أي: مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ صُلْبٍ مَتينٍ، كَالْحِجَارَةِ الَّتِي أَمْطَرَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى قَوْمِ لُوطٍ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُود}
قال ابن كثير رحمه الله: "مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك”.
• وقال عطاء بن يسار رحمه الله: "ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة؛ بل منهم من هلك سريعا، ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا" حيث خرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، حتى مات.
• نتعلم من هذه الآية: إن الذي فعل ذلك قادرٌ إن على يفعل ذلك وأكثر بأعداءه من اليهود، وينتقم لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن كل شيء عنده بأجل ومقدار.
• وهذا وعدٌ صادقٌ؛ فقد بيَّن سبحانه وتعالى إن العاقبة في الدنيا والآخرة للمتقين إذا قاموا بدينه ونصروه؛ كما قال تعالى: {إن اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إن اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}، وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}
قَولُهُ: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُول}؛ أي: جعلهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الْيَابِسِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْحَصَادِ، أو بعد إن تَأْكُلَهُ الْبَهَائِمُ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلى رَوْثٍ؛ ووصفهم بذلك تحقيرًا لشأنهم.
• فما داسته البهائم بأقدامها يُسَمَّى عصفًا، وما أكلته البهائم وخرج من فمها يُسَمَّى عصفًا، وما أخرجته من دبرها يُسَمَّى عصفًا؛ فسمَّاهم الله بالثلاثة؛ لأن منهم من مات مباشرةً، ومنهم من تقطعت أجزاء جسده حتى مات.
• وتعلمنا هذه الآية: كَيْفَ إن اللهَ تعالى يَنْصُرُ دِينَهُ وَبَيْتَهُ الحرام، مَهْمَا كَانَتْ قِلَّةُ حِيلَةِ الْمُؤْمِنينَ، وَلَكِنْ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إن يَبْذُلُوا مَا بِوُسْعِهِمْ؛ لِيَسْتَحِقُّوا النَّصْرَ.
• وكيف إن اللهَ تعالى عظَّمَ مَكَّةَ وَشَرَّفَهَا، فَكُلُّ مَنْ أَرَادَ بِهَا سُوءًا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ بِالْمِرْصَادِ؛ كما قال تَعَالَى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم}؛ فهَذَا الْوَعيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ عَزَمَ الْفِعْلَ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ فَكَيْفَ بِمَنْ فَعَلَ؟
• وكذلك نتعلم كيف إن اللهَ تَعَالَى تَفَضَّلَ عَلَى قُرَيْشٍ حَيْثُ صَدَّ عَنْهُمْ أَصْحابَ الْفِيلِ وَدَمَّرَهُمْ وأهلكهم جميعًا.
• ولماذا أهلكهم الله؟ حتى تستقر قريش في هذا المكان؛ حيث كانت مهددة غير مستقرة، وبعد هذه الحادثة أصبحوا هم حُماة البيت، وأصبحت العربُ تهابُهم، وكانوا يتحركون إلى الشام وإلى اليمن في الشتاء والصيف ولا يتعرض لهم أحدٌ؛ ولذلك كانت السورة التي تليها تذكِّرُ قريشًا بهذه النعمة: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}
نسأل الله العظيم إن ينصُرَ الإسلام والمسلمين، وأن يُعلِيَ كلمةَ الدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين