الأيمان بين الشرك والإيمان


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 




قال - تعالى- (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان).

وقال - صلى الله عليه وسلم - (من كان حالفاً فليحف بالله أو ليصمت) ب. م.

وقال - صلى الله عليه وسلم - (من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، وفي رواية أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل: و إن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: و إن كان قضيبا من أراك) سواك.

أيها الإخوة والأخوات: تتنوع الأيمان في النصوص الشرعية وتنقسم إلى أيمان مشروعة منعقدة، وأيمان محرمة باطلة ينبغي على المسلم تجنبها.



القسم الأول منها:

اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يحلفها المسلم باسم من أسماء الله - تعالى -مثل: والله، العزيز، الرحمن. أو بصفة من صفاته، كأن يحلف بحياة الله - تعالى -أو عزته أو قدرته، يقصد المسلم بهذه اليمين ويعقدها على أمر مستقبل كأن يقول: والله لافعلن كذا...او والله لا افعل كذا... فمثل هذه اليمين يجب عليه الوفاء بها. فإن حنث ولم يف بها وجبت عليه الكفارة وهي التخيير بين عتق رقبة او إطعام عشرة مساكين او كسوتهم فإن لم يجد واحدة مما مضى ولم يستطع فيجب عليه صيام ثلاثة ايام، (متتابعات عند الإمام أحمد).



القسم الثاني: اليمين الغموس: وهي اليمين التي يحلفها المرء متعمدا كاذبا يستحل بها حق أخيه المسلم. وسماها الرسول - صلى الله عليه وسلم - غموساº لانها تغمس صاحبها في النار، وهي احدى الكبائر الثلاث الواردة في صحيح البخاري (الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس).

وسبب كونها من الكبائر أن الحالف جمع بين الكذب واستحلال مال الغير والاستخفاف باليمين بالله - تعالى -وتهاونه بها. فأهان ما عظّمه الله - تعالى -وعظّم ما حقره الله - تعالى -فاستحق ان يغمس في النار.

ونظرا لكبر اثمها ذهب كثير من العلماء كإلامام مالك وأحمد واسحق والاوزاعي وفقهاء العراق واهل الحديث وغيرهم الى انها يمين مكر وخداع وكذب لا تنعقد ولا كفارة فيها ويجب على صاحبها التوبة والاستغفار وإرجاع الحقوق إلى أصحابها.



القسم الثالث: لغو اليمين: وهي الأيمان التي تجري على لسان المسلم من غير قصد وهي ألفاظ كثيرة اعتادها اللسان كقوله: لا والله، بلى والله. قالت عائشة - رضي الله عنها - (اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته لا والله) وهذه الألفاظ تكثر منها الأمهات عندما يتوعدن أبناءهن اذا هرب احدهم من البيت: فتقول والله لاجرم بيك، والله لاذبحنك، والله ما بتدخل البيت.

ومثل اللغو أيضا: ان يحلف المسلم على شئ يظنه كذا فيتبين على خلاف ما كان يظن. فمثل هذه الألفاظ لا يؤاخذ الله - تعالى -صاحبها ولا يعاقبه.



القسم الرابع:

الحلف بغير الله - تعالى -: كأن يحلف بالأنبياء أو الملائكة أو الكعبة أو الأموات... فقد اعتبر الإسلام الحلف بغير الله - تعالى -شركا به - سبحانه -º لما فيه من قدح لشهادة العبد بوحدانية الله - تعالى -فكيف يشهد العبد ان لا اله الا الله ويحلف بغير اللهº لان من مستلزمات هذه الشهادة ان لا يعظم غيره - تعالى -. كما اعتبر القران الحلف بغير الله - تعالى -ندا يتخذه الحالف لله - تعالى -وهذا الحالف يعلم حرمة ذلك. قال - تعالى -(فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون).

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في معنى الاية: (الانداد: هو الشرك اخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو ان تقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي. وتقول: لولا كلبة هذا لاتانا اللصوص. وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان هذه كله به شرك).

فهذه أمور أيها الأخوة والأخوات من الشرك خفية في الناس لا يكاد يفطن لها ولا يعرفها الا القليل، فهي لخفائها في الناس لا يشعرون بها كدبيب وحركة النمل على صخرة ملساء في ليلة ظلماءº ولذلك طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المسلم ان يدعو الله - تعالى -ويستعين به على تجنبه قائلا (اللهم انا نعوذ بك ان نشرك بك شيئا تعلمه ونستغفرك لما لا نعلمة).

وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حلف بغير الله فقد كفر او أشرك) الترمذي.

وعن ابن عمر - رضي الله عنه - (ان الله ينهاكم ان تحلفوا بابائكم من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت) وعن بريدة (من حلف بالأمانة فليس منا).

وقال كعب: انكم تشركون في قول الرجل: كلا وابيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك احلف بالله صادقا او لا تحلف بغيره. وقد أجمع العلماء على ان اليمين لا تكون الا بالله - تعالى -أو بصفاته كما أجمعوا على المنع من الحلف بغيره.



وقد يقول البعض إن النهي عن الحلف بغير الله - تعالى -يحمل على الكراهية. وهذا لا يصح كيف يحمل على الكراهية والرسول - صلى الله عليه وسلم - اطلق عليه انه كفر وشرك ولهذا ابن مسعود - رضي الله عنه - اختار أن يحلف بالله كاذبا ولا يحلف بغيره صادقا.

فهذا يدل على ان الحلف بغير الله - تعالى -اكبر من الكذب مع ان الكذب من المحرمات.

وقد يقال: ان بالله - تعالى -اقسم بالمخلوقات في القران الكريم، فلماذا لا يجوز للمخلوق ان يحلف بغير الله - تعالى -؟. قال العلماء هذا يختص بالله - تعالى -فهو يقسم بمن شاء من خلقه لما في ذلك من الدلالة على قدرة الله - تعالى -ووحدانيته وعلمه وحكمته. واما المخلوق فلا يقسم الا بالخالق - تعالى -، ويجب على العبد التسليم ولا نقياد لما جاء من عند الله - تعالى -، وقد يقال: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حلف بغير الله - تعالى -عندما سأله الأعرابي عن أمور الإسلام فأخبره عنها قال: (أفلح وأبيه إن صدق) ورواه البخاري.

وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: -

أولها / قال ابن عبد البر: ان هذه اللفظة منكرة (وابيه) تردها الروايات الصحيحة التي جاءت بلفظ (أفلح والله إن صدق).

الثاني / أن هذا اللفظ (وابيه) كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به والنهي انما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف.

وهذا مردودº لأن الأحاديث التي نهت على الحلف بغير الله - تعالى -جاءت عامة، ولم تفرق بين قصد وغير قصد، كذلك حلف سعد بن ابي وقاص - رضي الله عنه - مرة باللات والعزى ويبعد انه قصد واراد حقيقة الحلف بها، ولكنه جرى على لسانه من غير قصد ومع هذا فقد نهاه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

الثالث / أن الحلف بغير الله - تعالى -كان في اول الامر أي في بداية الاسلام ثم نسخ، فما جاء من الأحاديث فيها ذكر شيء من الحلف بغير الله - تعالى - فهو قبل النسخ والنهي ثم نسخ ذلك ونهي عن الحلف بغير الله - تعالى -.

وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس وعليه أكثر العلماء وهو الحق فقد كان الحلف بغير الله - تعالى - شائعا مستعملا حتى ورد النهي عن ذلك كما في حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدرك عمر بن الخطاب يسير في ركب يحلف بأبيه فقال (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت). ب. م.

وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: (ولا تحلفوا بآبائكم ) مسلم.

وقال سعد بن أبي وقاص: حلفت مرة باللات والعزى. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله ولا تعد) رواه البخاري.

أيها الإخوة والأخوات إن الحلف بغير الله - تعالى - مسالة خطرة ينبغي الحذر منها وتجنبها فقد ابتلي بها الكثير من الناس وكيف لا تكون خطرة والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، والله - تعالى - يقول (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يوسف 106.

وقد ذهب جماعة من العلماء إلى ان الحلف بغير الله شرك وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله بتجديد إسلامه بأن يقول: لا إله إلا الله.

وقال جمهور العلماء انه من الشرك الخفي كما نص على ذلك ابن عباس - رضي الله عنه -.

أيها الإخوة الأخوات ان الحلف بغير الله - تعالى -جرى على السنة الكثير من الناس جريان شهيقهم وزفيرهم، وتدرج تعظيمه في قلوبهم حتى أصبح بعضهم لا يصدقك لو حلفت له بالله - تعالى -ولا يثق بيمينك كما لو حلفت له برحمة الوالدين في التراب او عرضهما أو شرفهما او الطلاق الذي يكثر منه التجار الذين قال عنهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم دعاهم (يا معشر التجار انتم الفجار إلا من اتقى الله).



فمن يصدق أن التاجر الذي ينفق سلعته بالحلف بغير الله - تعالى -أنه يتقي الله؟

ومن الناس من يجرؤ أن يحلف بالله - تعالى -صادقا أو كاذبا ولا يجرؤ أن يحلف بغير الله إلا صادقا كما لو طلبت من أحدهم أن يحلف بتربة أبيه أو شيخه في قبره أو حياته لما أقدم على ذلك إلا صادقا. فمثل هؤلاء، ألا يكون المحلوف به عندهم أخوف وأجل وأعظم من الله - تعالى -؟. أليس هذا من الشرك الأكبر؟ بلى. حدث أن بعض المسلمين زار أخاه ولما استأذنه بالخروج حلف له أن يجلس قائلا منشان الله فلم يستجب له، كرر عليه منشان الرسول فلم يستجب له، قال له: منشان الشيخ ياسين، فجلس قائلا له: حلفتني بالشيخ ياسين وجلس.

وهذا أيها الإخوة والأخوات ما يسمى بجَهد اليمين الذي لا يشرع إلا بالله قال - تعالى -(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت)، فمن حلف بشيخه أو برحمة أبيه أو قبلته أو بوجهه وشاربه وأولاده، فليتدارك ذلك وليدرك نفسه قبل أن تحرقه النار، ولا كفارة له إلا بإعلان التوحيد والاستغفار.

فراقبوا ألسنتكم أيها الإخوة والأخوات واعلموا أن التسجيل والحساب على ما تلفظون من قول.

اللهم ارزقنا الإخلاص في القول و العمل

اللهم ارزقنا الصدق في السر والعلانية

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply