شكوك وراء تفجير قضية دارفور وتدويلها


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الاستنفار العالمي لأجل قضية دارفور يثير العديد من الأسئلة المهمة، المتعلقة بحقيقة وأصل المشكلة، أو في طبيعة ومقاصد القوى التي تحركها، ولا أتردد في القول ابتداء بأن افتراض البراءة في ذلك الاستنفار الحاصل الآن أمر من السذاجة بمكان.

وقبل أن أشرح حيثيات ذلك الزعم أرجو ألا يظن أنني أهون من شأن ما يجري هناك ففي دارفور مأساة إنسانية عاجلة، واجتماعية عميقة، يتعين التعامل معها بأقصى درجة من المسؤولية، وفي أسرع وقت، ولو أن الاستنفار العالمي حاصل لنصرة وإغاثة كل المضطهدين والمسحوقين من ضحايا الصراعات في أنحاء العالم، لما كان هناك مبرر للشك أو القلق، ولكن أن تتعدد الصراعات في أماكن شتى، ويتساقط في ثناياها ومن جرائها مئات بل ألوف الضحايا الذين هم في أمس الحاجة إلى العودة والإغاثة والحماية، ثم يتم تجاهل ذلك كله، ويجري التركيز على دارفور بوجه أخص، فإن ذلك يثير أكثر من علامة استفهام وتعجب، من ثم فليس السؤال هو: لماذا الاستنفار العالمي من أجل دارفور، بقدر ما إنه: لماذا الاستنفار لأجل دارفور وإهمال غيرها؟، لهذا فلسنا ندعو إلى تقليل الاهتمام بالحاصل هناك، ولكننا ندعو إلى توجيه اهتمام مماثل لملفات وقضايا مماثلة، إن لم تكن أشد تعقيداً، وأكثر جسامة من قضية دارفور.

إن أحداً لم يهتم مثلاً بالتقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية عن أوضاع مسلمي الصين، والذي كشف النقاب عن أجواء القمع القاسية التي يتعرض لها أكثر من عشرة ملايين مسلم في تركستان الشرقية (سكان دارفور ستة ملايين)، وهي المنطقة التي تحولت إلى «ولاية» في غرب الصين عرفت باسم «سينكيانج»، فقد تحدث التقرير عن أن السلطات الصينية دأبت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بعد وقت قصير من بدء الولايات المتحدة ما ادعت بأنه حربها على الإرهاب، على توجيه حملات قمعية قاسية ضد مسلمي سينكيانج، الذين يطالبون بحريتهم الدينية، وبالمزيد من مقومات الحكم الذاتي (البعض يحلم بالانفصال، وإقامة دولة مستقلة)، وأشار إلى أنه خلال تلك الفترة، وبناء على أبحاث قامت بها المنظمة الدولية في كل من تركيا وقزاقستان وقرغيزستان فإن السلطات الصينية احتجزت عشرات الآلاف في سينكيانج للتحقيق معهم، وإن مئات بل ربما آلافاً وجهت إليهم الاتهامات، أو صدرت ضدهم أحكام بالسجن بموجب القانون الجنائي، وأضاف التقرير أن عدداً كبيراً من المسلمين (الذين يعرفون عرقياً باسم الاويغور) صدرت ضدهم أحكام بالإعدام بدعوى قيامهم بنشاطات انفصالية مزعومة، وقد تعذر تحديد أعدادهم نظراً للتعتيم الشديد المفروض على تلك المحاكمات.

تقرير من هذا القبيل لم يحدث أي صدى حتى في وسائل الإعلام، في حين كان المسؤولون الدوليون يركضون نحو دارفور، في المقدمة منهم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان، ووزيرا خارجيتي الولايات المتحدة وألمانيا، كما كانت المشاورات مستمرة لإرسال قوات دولية إلى هناك، ولتوقيع عقوبات على حكومة الخرطوم من جراء اتهامها بالتقصير في معالجة الموضوع.

مأساة مسلمي سينكيانج تعد أمراً بسيطاً إذا قورنت بالحاصل في فلسطين، أو في بلاد الشيشان، وقد ذكرت ما حصل مع «الاويغور» لأن التقرير نشر وسط حملة الاستنفار العالمي من أجل دارفور، في تلك الأجواء أيضاً واصلت إسرائيل افتراسها للفلسطينيين من خلال الاجتياحات والاغتيالات، وعمليات التدمير ونهب الأراضي التي شملت قطاع غزة ونابلس وغيرها من مدن الضفة الغربية، وقبل ذلك تابع العالم التقارير البشعة التي نشرت عن ممارسات الجنود الروس في شيشينيا وجارتها أنجوشيا.

هذه الممارسات قوبلت بالصمت المشهود، أو بتحركات سياسية اتجهت صوب مناصرة القتلة وليس الضحايا (كما في الحالة الفلسطينية)، وظلت دارفور مستأثرة بالاهتمام الدولي والإقليمي، الأمر الذي يؤكد الشك في براءة ذلك الاهتمام، ويوحي بأن في دوافعه أشياء أخرى غير الاعتبارات الإنسانية.

يعزز ذلك الشك أمران: أحدهما يتعلق بطبيعة المشكلة في دارفور، والثاني ينصب على هوية القوى التي عملت على إثارة الضجيج من حول تلك المشكلة.

ذلك أن منطقة دارفور ذات الولايات الثلاث التي تشكل موطناً لـ 85 قبيلة، أكبرها وأقواها نفوذاً قبيلة «زاغاوه» التي تضم خليطاً من العرب والزنوج، كلهم مسلمون، ويعملون بين الزراعة والرعي، وبين تلك القبائل تراث من النزاعات التاريخية حول الموارد الطبيعية، وبسبب الحروب الإقليمية خصوصاً الحرب التشادية الليبية، انتشر السلاح بين أفراد القبائل، خصوصاً أن قبيلة «زغاوه» تتمدد في منطقة الحدود، ولها وجود في داخل تشاد، علماً بأن الرئيس التشادي الحالي إدريس ديبي ينتمي إلى ذات القبيلة.

النزاع التقليدي حول موارد المياه ومناطق الرعي كانت له تجلياته السلبية في علاقة العرب - أكثرهم رعاة - مع الزنوج، الأمر الذي أحدث مرارات تراكمت بمضي الوقت، وقد غذاها التخلف وانتشار الجهل، وأججها وجود السلاح في أيدي كثيرين، خصوصاً أن هناك أطرافاً كان يهمها في السابق إثارة الاضطرابات في المنطقة لإرباك حكومة الخرطوم، والضغط عليها (الحركة الانفصالية في الجنوب خاصة)، هذه العوامل في مجموعها هيأت الفرصة لظهور جماعات مسلحة مارست النهب والعدوان على قطعان الماشية التي تشكل الثروة الأهم في دارفور، ولم يخل الأمر من تصفية حسابات بين القبائل، أدت في إحدى المرات إلى قتل أحد زعماء القبائل العربية في الطرف الشمالي لجبل «مرة»، وهو ما استتبع سعياً من أهل القبيلة للأخذ بثأر شيخهم القتيل، والفعل كان له رد فعل وسع من نطاق الاشتباكات، وحين وجد العرب الذين يشكلون أقلية في الولاية أنهم في الموقف الأضعف، شكلوا مجموعات مسلحة للدفاع عن أنفسهم عرفت باسم «الجنجويد»، ويبدو أن حاكم الإقليم العربي الممثل لحكومة الخرطوم وجد أن الموقف خارج عن السيطرة، فدعم مجموعة «الجنجويد» وأمدها بالسلاح، الأمر الذي وسع من نطاق المواجهة، خصوصاً أن مجموعات الزنوج المسلحة اعتبرت حكومة الخرطوم منحازة «للجنجويد»، ومن ثم اعتبروا أن صراعهم أصبح موجهاً ضدها، وهو ما عد تصعيداً ليس فقط للصراع المسلح، ولكن أيضاً للمواجهة السياسية، حيث تحول الصراع حول الموارد الطبيعية إلى مطالب إقليمية اتهمت حكومة الخرطوم بالانحياز للعرب، وتعمد تهميش وإفقار إقليم دارفور علماً بأن موضوع التهميش ينسحب على السودان كله.

هكذا فبينما كان الصراع المسلح مستمراً على الأرض، مع ما استصحبه من عمليات قتل ونهب ونزوح، فإن قوى خارجية ذات مصلحة لعبت دورها في تصعيد المواجهة المسلحة، وعملت على تدويل المشكلة.

في التعريف بتلك القوى اقتبس هنا فقرات من مقال نشرته صحيفة «الرأي العام» السودانية في 14/7 للكاتب والأكاديمي الدكتور الطيب زين العابدين، وتحدث فيه عن اجتماع دعت إليه في واشنطن منظمة اليهود الأمريكية العالمية لتنظيم حملة للتبرع لأهل دارفور ومناصرتهم، وبادر المركز اليهودي للإصلاحات الدينية إلى تنظيم مظاهرة احتجاجية صاخبة أمام السفارة السودانية في العاصمة الأمريكية، وشارك في الحملة المخططة بعض الأسماء اللامعة التي تجذب الانتباه مثل القيادي اليهودي ايلاي ويزيل الحاصل على جائزة نوبل للسلام، بحجة أنه يريد تسليط الضوء على العنف في السودان تحت شعار «أنا لا يمكن أن أكون منعزلاً»، وشاركته في الحملة والرأي روث ميسنجر رئيسة منظمة اليهود الأمريكية التي صرحت بأنها تستطيع عن طريق هذه الحملة جمع أموال طائلة لأكثر من غرض (سيكون معظمها أغراضاً يهودية صهيونية)، خاصة وأن مشكلة السودان أصبحت شأناً عالمياً، واعتذرت بأن الحملة قد تأخرت لأننا لم نفهم مشكلة غرب السودان إلا أخيراً! وساهمت مجموعة يهود منطقة واشنطن بتنظيم ورشة عمل دينية لتتخذ مواقف احتجاجية ضد العنف المستشري في غرب السودان، وعلق الحاخام ديفيد سابرستين على أحداث دارفور بقوله: عندما ترتكب أعمال إبادة عرقية ينبغي على اليهود أن يكونوا في مقدمة المحتجين لأننا سبق أن كنا ضحايا وشهوداً لمثل تلك الأعمال، وقام جيري فاولر مدير لجنة الضمير اليهودي بزيارة معسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد ثم كتب بعدها لجريدة «واشنطن بوست» يقول: لقد صدرت إشارات وتحذيرات مهمة قبيل محرقة راوندا، ولكنها لم تحرك ساكناً، وها نحن نقول: لا مرة أخرى، فهل سيتم تجاهل هذه التحذيرات المبكرة، وأفارقة دارفور يبادون! ولم يفسر مدير لجنة الضمير اليهودي: لماذا لم يتحرك اللوبي الصهيوني في تلك المحرقة الأفريقية التي ذهب ضحيتها 800 ألف قتيل على مدى سنتين! وأوقف متحف المحرقة اليهودي نشاطه اليومي لمدة نصف ساعة ليلفت الأنظار إلى أحداث دارفور، وقامت مجموعة ائتلاف اليهودية (تضم 45 مجموعة) بإنشاء مكتب خاص مهمته جمع التبرعات لدعم احتياجات اللاجئين السودانيين في تشاد بسبب العنف المنظم ضدهم، والذي تشنه مجموعات عربية مسلمة مدعومة من قبل الحكومة.

علق الدكتور الطيب زين العابدين على هذه الحملة قائلاً: هل يعقل أن اللوبي الصهيوني فجأة أدرك ما يعانيه الزغاوة والفور والمساليت في غرب السودان، ومن ثم هب لنجدتهم؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها!.

لا نستبعد أن يكون صرف الانتباه عن الفظائع الإسرائيلية من بين أهداف الحملة، ومحاولة تقديم «اللوبي» الصهيوني في أمريكا باعتباره نصيراً للمضطهدين والمستضعفين (غير الفلسطينيين بطبيعة الحال)،

لكننا نرى في الأفق إشارات أخرى، تصب في مجرى تفكيك السودان، الذي بدأ بجنوبه، ثم انعطف إلى غربه (في دارفور) والكلام متوافر عن اضطرابات تتحرك الآن في شرق السودان، وهذا التفكيك إذا قدر له أن يتم فإنه يحقق ثلاثة أهداف عند الحد الأدنى هي:

إغلاق بوابة العرب المطلقة على أفريقيا.

ـ حرمان العرب من سلة الغذاء الواعدة هناك.

ـ أضعاف مصر اكبر دولة عربية، والتحكم في مياه النيل التي تمثل شريان الحياة بالنسبة لها.

إن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه في مواجهة هذا المشهد هو: أين العالم العربي الذي يتعرض أحد أقطاره للتمزق، ويهدده الاندثار؟

وأين مصر الشقيق العربي الأكبر الذي تستهدفه السهام في نهاية المطاف؟.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply