ضوء من الحجرات ( 4 )


  بسم الله الرحمن الرحيم

بداية الرحلة:

قبل أن نبحر في مركبنا باتجاه سواحلها الرائعة، تعالوا نقف مع سبب نزولها.. لهذه السورة المباركة، سبب للنزول، ومعظم آيات القرآن لها أسباب نزول إما للإجابة عن سؤال، أو تقرير حكم، بعد حدث، فمن ذلك صدر سورة المجادلة تقرر فيها حكم الظّهار، بعد موقف من أحد الصحابة، وسورة الكهف إجابة عن سؤال لبعض المشركين، عندما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الأسئلة فجاءت السورة إجابة عن هذه الاستفسارات، وقصة الإفك في سورة النور، عندما رمى ذلك المنافق الإفّاك، أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق الطاهرة المطهرة، رماها بالزنا، في تلك القصة المحزنة، والتي صارت بعد ذلك وسام عز وشرف ورفعة لعائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- إلى يوم القيامة، عندما أنزل الله - سبحانه وتعالى - ميثاق عفافها، وطهرها، قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، أما هذه السورة فهي من النوع الأول جاءت بعد حدث، وهو رفع الصوت في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنـزل القرآن ليضع القاعدة العامة في التعامل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الحديث معه، وكذلك لها علاقة منطقية بالسورة التي قبلها، وهي سورة الفتح، والأحداث التي حصلت وقت صلح الحديبية، وتأخر بعض الصحابة عن تنفيذ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقصة معروفة، فجاء هذا العتاب، وجاء الأمر بكيفية التخاطب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والانقياد لما يأمر به، - صلى الله عليه وسلم -.

ومما رُوي في أسباب النـزول ما رواه أهل التفاسير، ومنهم البغوي، وابن كثير - رحمهما الله -.

أخبر عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال: قدم ركب من بني تميم، على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر: أمر القعقاع معبد بن زرارة، فقال عمر: بل الأقرع بن حابس، قال أبو بكر ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنـزلت في ذلك (يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ... )[الحجرات: من الآية1] حتى انقضت، وهنا وقفة، هذه الرواية من هذا الوجه تثبت أن أبا بكر وعمر مؤمنين (يا أيها الذين آمنوا) لاحظ الخطاب، مناداة بالإيمان \"والله أعلم\"، وقد أخرج هذه الرواية البخاري في التفسير باب (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكثَرُهُم لا يَعقِلُونَ) [الحجرات: 4]. وفي المغازي، الاعتصام بالكتاب والسنة، ذكر ذلك الإمام البغوي في تفسيره.

الرواية الأخرى: عن طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه -: كما وردت في تفسير ابن كثير والبغوي قال: لما نزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي... } الآية، جلس ثابت بن قيس -رضي الله عنه- في بيته وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمر، ما شأن ثابت، أشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي- صلى الله عليه وسلم - فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هو من أهل الجنة.

وفي رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في، وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بين فرسي فشدي علي الضبة بمسمار، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى عاصم، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره خبره، فقال له: اذهب فادعه، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوك، فقال: اكسر الضبة فكسرها فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما ترضى أن تعيش حميداً وتُقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبداً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله... } الآية، وهذه شهادة من الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - لهذا الصحابي، ثابت بن قيس أنه من أهل الجنة عندما خشي أن تكون هذه الآية نزلت فيه.

وأنقل لكم المشهد المثير للبشارة النبوية التي أخبر بها - صلى الله عليه وسلم -، وهي حدث مستقبلي، وهي البشرى التي خصّ بها هذا الصحابي لقاء صدقه وإيمانه، وهي الشهادة في سبيل الله، وهي من دلائل النبوة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: كنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، وهو ثابت بن قيس فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أفٍ, لهؤلاء ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حنيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قُتلا (تأمل هذه الكرامة لثابت رضي الله عنه) بعد استشهاده يوم استشهد كان عليه درع فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام، وأنه قال له: اعلم أن فلاناً، رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر، عند فرس يسير في طوله، وقد وضع على درعي برده، فأتى خالد بن الوليد وأخبره حتى يسترد درعي وأتى أبي بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: إن عليّ ديناً يُقضى، وفلاناً من رقيقي عتيق فأخبر الرجل خالداً فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرواية، فأجاز أبو بكر وصيته، قال أنس -رضي الله عنه-: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه.

انظر أيها القارئ الكريم هذا التكريم لهذا الصحابي الذي استجاب بعدما استقر الإيمان في قلبه، وخاف من التهديد في باطن هذه الآية، أن يحبط عمله، مع العلم أن صوته أصلاً صيتاً، فكانت البشارة له بالإيمان والشهادة والجنة، نسأل الله الكريم من فضله.

وتأمل حال الصديق والفاروق بعد هذه الآية.

قال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية، كان أبو بكر لا يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا كأخي السرار (أخرجه الحاكم 2/462), وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه), وانظر فتح الباري 8/591).

وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدّث عمر -رضي الله عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته. أخرجه البخاري في التفسير باب (لا ترفعوا أصواتكم).

هذه بعض الأقوال في سبب نزول هذه الآيات من السورة، ويتضح جلياً مدى الاستجابة العظيمة الفورية من الصحابة -رضوان الله عليهم-، لأمر الله، وهو الأمر بإجلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن لذلك هدفاً آخرº فأنت إن عظّمت أحداً فأنت تؤمن بما يقول ويأمر قطعاً. أليس كذلك؟

وهذا الأمر بالتعظيم أي تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشمل كل من يدخل في دائرة الإسلام، إلى يوم القيامة بغض النظر عن أي اعتبار آخر.. مع التفطن لأمر مهم وهو أنك بتعظيمك واستجابتك لرسول الله تنال مغنماً ومكسباً وثواباً...

إلى اللقاء في الحلقة القادمة، إن شاء الله نبحر مع السورة وآياتها نقتبس من أنوارها إضاءات تضيء لنا الطريق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.  

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply