أنا والفارس الذي ترجل


 

بسم الله الرحمن الرحيم

سألت أحدهم في ذلك الشارع المحاذي للمقبرة: ما الذي أتى بك في هذا الوقت إلى هذا المكان، في لهيب الشمس ودرجة الحرارة الشديدة؟! قال: أحب هذا الرجل، قلت: هل تعرفه..؟ قال: لا.. ولكن أسمع عنه، فأحببته.

فالتفتٌّ إلى الجموع الغفيرة الهائلة التي احتشدت، وغصت بها جنبات المقبرة، مع الشارع المحاذي لها من الجهة الشرقية، وقلت -أسأل نفسي-: هل كل هؤلاء يعرفون الشيخ؟ قطعاً، لا.. ولكن جميعهم إمّا سمع به، أو سمع منهº إذًا بماذا تقاس أعمارنا؟ هل هي بالمدة التي نعيشها؟ هذه تنتهي بمجرد خروج الروح من الجسد، ويلفنا النسيان في طياته، كما هو الحال مع الملايين الذين لفتهم الأرض في جوفها، فمسحوا من ذاكرة الأحياء بمجرد أن هلوا عليهم التراب؟!

لكن هناك أناس لهم أعمار أخرى يعيشونها، بعد رحيل أجسادهم عن الدنيا، ولكنهم قليل جداً.

هذه المقدمة مدخل أردت منه أن أفتح المجال لخواطري لتنطلق، لأتحدث قليلاً عن هذا الفارس الذي ترجل عن صهوة المنبر، بعدما خطفه الموت فجأة وبدون مقدمات في ذلك الحادث المؤلم، وجعل ذلك الرجلَ والشابَّ والصبيَّ على حد سواء.. يخرجون في لهيب الحر، وهم لا يعرفونه شخصياً، ولكنهم سمعوا عنه، فأحبوه.

فماذا قدم هذا الفارس لينال هذا الحب الذي جعل هذه الجموع الهائلة تزحف خلف نعشه في حرارة الجو الشديدة؟ ثم يُصلى عليه أكثر من خمس مرات، بعدما يخرج من المسجد الذي ضاق هو بالمصلين أيضاً؟ إذاً هناك سر وراء هذا، فلو أنفقت ما في خزانتك ما استطعت أن تجمع هؤلاء في وقت واحد، وتجعلهم يحبونك، ولكن يبدو أن السرَّ هنا رباني ليس إلاº فالله - سبحانه - إذا أحب عبدًا فلا تسأل بعد ذلك عن النتائج، لأنه - سبحانه - قد وضع حبه في الأرض.. هذه هي القضية أيها السادة. هذا الحب الذي تجده في قلبك لأحدهم وأنت لا تعرفه شخصياً، أو تقابله لأول مرة، هناك سرُّ عظيم وراء هذا.

فما بالك بمن أحببته وعرفته عن قرب؟ سيكون له شأن آخر، أليس كذلك؟.

إذاً هذه حكايتي مع هذا الفارس الذي ترجل عن صهوة المنبر.. إنه شيخ الخطباء بمدينة بريدة، الشيخ الدكتور محمد بن علي السعوي ولا تسألني عن الدكتواره- أعرف أن كلماتي لن تفيه حقه لقاء ما قدم لدينه وأمته، مثله مثل سلفه من العلماء الذين سبقوه في الرحيل، لكن من حقهم علينا أن نذكر محاسنهم، ونزيح عن الستائر شيئًا من جوانب شخصياتهم ليُقتدى بهم، فهؤلاء هم النجوم للساري في ظلمة الليل البهيم.

استأذنك برحلة قصيرة، لأسلط الضوء الهادئ على بعض ملامح شخصية هذا الفارس القصيمي، الذي طوّع الكلمة المنبرية، حتى صار مدرسة متميزة في الخطابة وقوة التأثير.

فقد عرفت هذا الفارس لأكثر من عشرين سنة، فهو بحق مدرسة متكاملة، ولا استغراب! فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، سأعرض عليك بعض الملامح فقط وبإيجاز.

1- التواضع ولين الجانب: وهو عملة نادرة لا يجيد فنها إلا القليل من الذين منحوا عوامل الكبر، وهي المجد والشهرة، وفارسنا منح هذه العوامل، ولكن لم يزده ذلك إلا تواضعًا وسكينة. خذ مثالاً: في يوم من الأيام كنت أنا وهو على موعد هام بين صلاتي المغرب والعشاء، فصليت المغرب معه في الجامع الكبير في بريده، وبعد الصلاة خرجنا سوياً لموعدنا، وإذا بأحد الإخوة من الجالية العربية يستوقفه ويسأله عن مسألة عادية، ممكن أن تؤجل إلى وقت آخرº فأطال في عرضها ومناقشتها والشيخ منصت له بكل اهتمام مما جعل السائل يزيد في الأسئلة الأخرى، ولم نفطن إلا وقد مر من الوقت عشرون دقيقةº فقلت للشيخ: الموعد! فنظر إلى السائل وقال: هل لك أسئلة أخرى يا أخي؟ فقال: لا..

خذ مثالاً آخر أكثر غرابة!: في يوم من الأيام وفي الجامع الكبير، استوقفه رجل يعرفه للسلام عليه، وكان مع هذا الرجل غلام له، فلما شاهد الغلام والده قد عانق الشيخ ما كان منه إلا أن قفز عليه يريد تقبيله مثل والده، فجذب شماغ الشيخ وطاقيته فانكشف رأسه، وكان أمام المصلين، فخجل الرجل، فهمّ بالغلام ليضربه، فنهره الشيخ قائلاً: إنه صبيُّ لا يدرك.. دعه.. دعه.

2- يطبق قاعدة (كلما زاد علم شخص زاد عطشه للعلم، لأن من قال أنا أعلم فهو للجهل أقرب): لذلك الشيخ ابتعد عن هذه الخصلة، فهو يطلب كل ما هو مفيد، وقد أعطاه الله - تعالى - باعاً في الخطابة، وإعداد الخطبة، حتى صار مدرسة فيها، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاستفادة من الآخرين، وأذكر لك نموذجين حصلا معي شخصياً. الأول: جمعني معه مجلس وكان عقب صلاة الجمعة، ورحت أثني على خطبته، فقاطعني قائلاً: دعك من المديح، عليك بالملاحظات. أما الموقف الثاني، فقد رن جرس هاتفي يوماً، وكان المتحدث هوº فقال: أريد منك المساعدة في إعداد خطبة، فقلت: أنا أساعدك؟! فقال: نعم أنتº فاستغربت من طلب الشيخ، وقلت في نفسي: كيف لمثلي أن يساعد فارس الخطابة؟! ثم قلت: ماذا تريد يا شيخ؟ فقال أريد أن أتحدث عن اليتيم، وأريد بعض الأمثلة المتعلقة بسوء معاملة اليتيمº فيسر الله بعض الأمثلة، وحضرت تلك الخطبة، فسبكها بطريقة جعلت المسجد يضج بالبكاء -وأعتقد أن بعض الإخوة يذكرونها، وقد ذكر لي بعدها، أن شاباً أتى إليه بعد الصلاة قائلاً: كيف عرفت يا شيخ قصتي؟ مع العلم أنه لا يعرفه!.

3- الورع والخشية: مستودع الخشية والورع هو القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا رب القلب - سبحانه وتعالى-، ولكن هناك بعض العلامات تظهر على صفحات الوجه، تعكس لك الصورة الحقيقة للقلب، فأنت تجد علامات النفاق ظاهرة على صفحات الوجه، كما أن علامات الورع والخشية كذلك (كما قال - تعالى -: \"سيماهم في وجوههم... \" الآية. فالشيخ قريب الدمعة، وأكثر ما كان يبكيه حال الخطبة التضرع إلى الله عند الكرب عندما يدعو للأمة، وأذكر لك موقفاً واحداً ولو كان حيًّا ما ذكرته-: في شهر رمضان 1423هـ ألقيت كلمة في مسجد الراشد في بريده، وهو إمامه، وكان ذلك وقت القيام، وكان موضوع الكلمة عن البلاء الذي نزل ببعض البلاد الإسلامية، وتسلط الأعداء، ومررت بالذكر على ما يلاقيه كبار السن والنساء والأطفال، في هذا الجو البارد مع الجوع والحرمان والتشرد، وكان يجلس في الصف الأول، فحانت مني التفاتة إليه، ولم يشعر بي، وإذا به يسبح في دموعه، دون أن يشعر به أحد، وهذا في ظني من العوامل الرئيسة التي جعلت ذلك الشخص العادي يخرج من بيته في لهيب الظهيرة، ويقف على (الإسفلت) الحار يؤدي الصلاة عليه، وهو لا يعرفه.

4- الحلم: دائماً يقاس الحلم بالمواقف الصعبة الشديدة، ونتيجة الحلم دائماً حميدة، خذ هذا المثال فقط: حججت مع الشيخ مرة، ووصلنا إلى مشعر منى متأخرين ولم تكن الخيام العازلة قد نصبت يومها- فلم نجد مكاناً لخيمتنا، وكان الموسم شديد الحرارة، ويسر الله فرجة صغيرة لا تكفي إلا لخيمة واحدة، فلما هممنا بنصبها وإذا بمجموعة من الناس يهبون إلينا مسرعين وهم يقولون: لا يمكن أن تنصبوا خيمتكم هنا.. هذا متنفس لنا! إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يخفى في مثل تلك المواطن، وتوترت الأعصاب وأخذ الغضب منا حدهº فالتفت إليّ الشيخ وهو يبتسم، وقال لي: لا نريد أن نضايقهم، هيا نبحث عن مكان آخر، وبينما نحن كذلك وإذا بأحد رجال الأمن يمر بالمكان، فبادرناه: هل ننصب خيمتنا هنا؟ فقال: \"ما فيه مانع\"، فتيسر الأمر، وهدأت العاصفة بعد ذلك، فلما حضر وقت الصلاة وأذكر أنه كان وقت صلاة المغرب، فصلى الشيخ بنا وصلى معنا هؤلاء النفر، وبعد الصلاة ألقى الشيخ موعظة رقيقة عن حسن التعامل وأخلاق الحاج، فسبحان الله أثرت هذه الكلمة في نفوس هؤلاء! فصارت خيمتهم هي المصلى ومكان الدروس اليومية، لأنهم تمسكوا بالشيخ، فحصل نفع عظيم كل ذلك مرده إلى الحلم وحسن الخلق!.

5- كان مدرسة في الخطابة، وذلك لأسلوبه المتميز في الإعداد والسبك والإلقاء، ويرجع ذلك والله أعلم- إلى (الإخلاص) والحرص على النفع والتأثيرº فالذي يستمع إلى خطبه يخرج بفوائد عديدة، فهو يجمع بين قوة العبارة وقصرها وسهولتها، مع تأطيرها بالدليل الصحيح، من القرآن والسنة والمنقول من أقوال السلف، ففكرته تصل للمتلقي دون تعقيد أو غموضº لذلك يكون التأثير قوياً، وقد أعطاه الله - سبحانه - قدرة على توظيف الآيات وإنزالها في مكانها الصحيح، مثل القصص التي وردت في القرآن، مثلما حدث في آخر خطبة ألقاها (وهو اليوم الذي توفي فيه) - رحمه الله -! فقد كان موضوع خطبته \"حكاية ابنيّ آدم\" المذكورة في سورة المائدة.. الله أكبر، كأنه على موعد مع السفر، لذلك كانت رسالة بليغة مؤثرة.

وكنت قد أقمت دورة في فن الخطابة والتأثير، فسألته يوماً عن الخطبة وكيف يعدها، ومصاعب الإلقاء، والمواقف التي تعرض لها؟ فقال: الخطبة القادمة تولد لحظة نزولي من المنبر، ثم يكون حملها وفصالها خمسة أيام، وأنا أجمع أطرافها وشواردها، وصبيحة يوم الجمعة، تكون الولادة، وهو السبك النهائي، فقلت: هذا الذي يجعلها تطرق سمع المتلقي وهي تنبض بالحيوية والحرارة مع صدق المشاعر الذي يحس به المتلقي. وقد دخلت عليه مرة في مجلسه لنفس الغرض، وإذا به قد نشر مجموعة كبيرة من الكتب فقلت: ما هذه الكتب يا شيخ؟ ولماذا هي مفتوحة بهذا الشكل؟! فقال: ابحث عن بعض المسائل والأدلة للخطبة القادمة، فسألته يومها ماذا تفعل إذا أردت أن تدخل للمسجد وقبل أن تصعد للمنبر؟ فقال: أذكر أول خطبة ألقيتها، أني خرجت من الصلاة وكأني خارج من بركة سباحة، مع العلم أنها كانت في قرية، ولكن هي هيبة المنبرº فكنت بعدها أدعو الله قبل أن أدخل المسجد بهذا الدعاء \"اللهم ثبت جناني وسدد لساني\"، فسبحان الله كنت أجد العون والمدد من الله - سبحانه وتعالى-!.

هذه خواطر لملمت شواردها من الذاكرة أحببت أن أعرضها فقد كان تأثير الصدمة عليّ كبيراً، ولكن لا نقول إلا ما يرضي الرب (حسبنا الله ونعم الوكيل، وأنا لفراقك يا أبا عبد الله لمحزونون)، لأن هؤلاء يجب أن يستفاد من سيرهم، مع تأمل الأسباب التي جعلت تلك الجموع الغفيرة تسير في لهيب الشمس، وشدة الحرارة خلف جنازته.

إذاً هناك سر عظيم، هل تراه \" يا جبريل إني أحب فلان، فأحببه فيوضع له القبول والحب في الأرض\"؟ هل تستطيع أن تضع لك حباً وقبولاً في الأرض؟ إذًا موعدنا يوم الجنائز.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply