أين نحن من هؤلاء ؟ الشهيد القائد نور الدين محمود زنكي- رضي الله عنه - (511- 569هـ)


  

بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخ هؤلاء الأعلام هو تاريخ البطولات الحقة..هو تاريخ كفاحهم لاسترداد أمجاد المسلمين، هم الذين جمعوا كلمة المسلمين بعد تفرق، ووحدوا الأمة تحت راية التوحيد، وأنقذوا كرامتها مما تعرضت له على أيدي أعداء الإسلام، وهم الذين وفقهم الله في دفع الخطر والهلاك المحقق عن أمة الإسلام، يقول الشاعر المسلم محمد إقبال:

كنا جبالاً في الجبال وربما   * * * سرنا على موج البحار بحارا

لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها  * * *  سجداتنا والأرض تقذف نارا

بمعابد الإفرنج كان أذاننا   * * *  قبل الكتائب تفتح الأمصارا

وكأن ظل السيف ظل حديقة  * * *  خضراء تحمل فوقها الأزهار

كان المسلمون قبيل عهد نور الدين، في حال يرثى لها، توالت عليهم المحن، وتتابعت ذئاب الصليبيين على بلادهم، واشتد الخطر وعظم المصاب، وتهددت المقدسات، والملوك والأمراء في غفلة ساهون- كالعادة دائمًا- لا يتحرك واحد منهم لدفع هذه الشرور، فالكلمة تفرقت، والصفوف اهتزت، والشمل تشتت، والأطماع تصارعت، وما أشبه الليلة بالبارحة، والقرآن الكريم ينادي بأعلى صوته: {يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِ فَسَوفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ, يُحِبٌّهُم وَيُحِبٌّونَهُ أَذِلَّةٍ, عَلَى المُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ, عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَومَةَ لائِمٍ, ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة: 54)، والصورة التي يرسمها القرآن هنا لمن يختارهم الله، صورة واضحة قوية {فَسَوفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ, يُحِبٌّهُم وَيُحِبٌّونَهُ}، حب متبادل ورضا متبادل، وحب الله لعبد من عبيده، أمر عظيم لا يقدر على معرفة منزلته إلا من يعرف الله - سبحانه وتعالى - بصفاته كما وصف نفسه، ولا يقدر قيمة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي جل جلاله، الذي يعرف صانع الكون الهائل، وصانع الإنسان، الحي الأزلي الدائم، الأول والآخر، والظاهر والباطن، - سبحانه وتعالى -.

 

وجاء نور الدين:

في هذه الأجواء المظلمة، جاء نور الدين، فبدأ بجمع كلمة المسلمين تحت لواء التوحيد، وراية لا إله إلا الله محمد رسول اللهº لأن هذا هو طريق النجاة الوحيد، وسبل الإنقاذ قديمًا وحديثًا ومستقبلاً، وإلى قيام الساعة، وهذا العمل تلبية لأمر الله- عز وجل - إذ يقول - سبحانه - وتعالي: {وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103).

يقول ابن الأثير في منزلة نور الدين: \"طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، وفيه إلى يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، ولا أكثر تحريًا للعدل والإنصاف منه\".

وحسبنا برجل بلغ من إيمانه وأمانته، أنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف في الذي يخصه، إلا من ملك كان له، اشتراه من سهمه في الغنيمة، ولا يمس الأموال المرصدة لمصالح المسلمين.

طلبت إليه زوجته أن يخصص لها عينًا تنفق على نفسها من دخلها وقت الحاجة، فأعطاها ثلاثة دكاكين، كانت له في مدينة حمص، وكان إيرادها لا يزيد عن عشرين دينارًا في السنة، فاستقلتها، وربما ألحت في الطلب، إلا أنه حسم الأمر بقوله: \"ليس لي إلا هذا، وجميع ما أنا فيه للمسلمين\" (وفيات الأعيان).

وكان يلتزم بحدود الإسلام ويشدد فيها يقول: \"نحن نحفظ الطريق من لص، ومن قاطع الطريق، والأذى الحاصل منهما قريب، أفلا نحفظ الدين، ونمنع عنه ما يناقضه؟ \".

لذلك كان إذا حزبه أمر، ونزلت به شدة، اتجه إلى الله - سبحانه وتعالى -، ووقف على بابه داعيًا مبتهلاً يلح في الدعاء، وكان يفعل هذا باستمرار، خاصة قبل خوضه للمعارك مع الأعداء، فقد رووا أنه قبل معركة \"حارم\" بين المسلمين والصليبين.. اتجه إلى الله، وسجد فأطال السجود، وبكى فأطال البكاء، ومرغ وجهه في التراب، وجعل يتضرع إلى ربه ويقول: \"هؤلاء المسلمون- عبيدك، وهم أولياؤك وهؤلاء الصليبيون عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، إنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر- بسبب محمود- يقصد شخصه- إن كان غير مستحق للنصر، اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا.. \".

وفي معركة دمياط مع الصليبيين، اشتد عليه الحزن وركبه الهم، ولما طلبوا أن يخفف عن نفسه قال: \"إني لأستحي من الله - تعالى -، أن يراني مبتسمًا، والمسلمون محاصرون في دمياط\".

 

موازنات بينه وبين صلاح الدين الأيوبي:

اقترن ذكر الشهيد نور الدين بالبطل صلاح الدين الأيوبي، فلا يذكر أحدهما، إلا ويأتي في الخاطر ذكر الآخر، فإذا كان صلاح الدين قد اكتسب شهرة ملأت أرجاء الدنيا، فإن نور الدين كان الأستاذ والقائد والمخطط والقدوة له.

فهو الذي واجه الصليبيين ووقف لهم وللمفسدين بالمرصاد في كل مكان، وهو الذي باع نفسه في سبيل الله، لإعلاء دين الله، وانصرف بكل ما يملك إلى تطهير بلاد المسلمين من نجاسات الصليبيين وأرجاسهم.

واستجاب الله له، وحقق له ما تمناه، فأقام للإسلام دولة قوية منيعة الجانب، موحدة الكلمة، تحت قيادة البطل العظيم صلاح الدين، يقول عنهما صاحب الروضتين.. وهو من المعاصرين لهما: \"نظرت في سيرتهما فوجدتهما في المتأخرين، كالعمرين- رضي الله عنهما- في المتقدمين، فإن كل ثان من الفريقين حذا حذو من تقدمه في العدل والجهاد، واجتهد في إعزاز الأمة والدين أي اجتهاد، وهما ملكا بلدتنا وسلطانا خطتنا، خصنا الله - تعالى -بهما، فوجب علينا القيام بذكر فضلهما، فلعله يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك، فلا يبعد أنهما حجة من الله على الملوك المتأخرين، وذكرى منه - سبحانه -، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

ولد نور الدين سنة 511هـ، وتوفي سنة 569هـ، وولد صلاح الدين سنة 532هـ وتوفي سنة 589هـ، فكان نور الدين أكبر من صلاح الدين، وكان الفضل للمتقدم، وكلاهما صبر وصابر، ورابط وتحمل، وجاهد وجد واجتهد.. وفتح الله على أيديهما البلاد المقدسة، - رضي الله عنهما - وأرضاهما، وما أحوجنا اليوم إلى أمثالهما!

 

موقفهما من الأعداء:

كانت مواقف نور الدين- الفارس المستقيم الفاهم لدينه- من الأعداء تثير عجب الصليبيين، خاصة الفلول الهاربة منهم، مما جعلهم يدركون أن الوصول إلى مآربهم عن طريق الخيانة والخداع من المستحيل، وعندها اضطروا إلى التسليم والتراجع.. وترك الحصون للمسلمين والتخلي عنها، يقول أحد المستشرقين الإنجليز، في كتابه عن صلاح الدين حين وصف معركة \"يافا\":

إن ريتشارد قلب الأسد، اضطر في أثناء المعركة إلى أن يحارب وهو واقف على قدميهº لأن حصانه قتل في المعركة، فلما شاهده \"نور الدين\" أرسل إليه جوادين من أكرم خيله، ووجه إليه حديثه قائلاً: \"إن من قلة المروءة أن فارسًا مثلي يحارب رجلاً مثلك\".

وهذه الشهامة لا توجد إلا في الإسلام وبين فرسانه الأقوياء، وهناك صورة إنسانية أخرى، دونها المستشرقون أيضًا، حدثت في واقعة \"عسقلان\"، وكان القائد للمسلمين نور الدين، وقائد الصليبيين \"بودوا\" وهو أميرهم، لقد حدث أن مات فجأة أثناء القتال، فاضطرب القوم وعمهم الحزن، وهنا نرى المثل الذي تعيش عليه الأجيال، مثل في الشجاعة والنبل، لقد أرسل \"نور الدين\" إلى أهل عسقلان من يقول لهم لا تخافوا، إنه لعمل غير كريم أن نزعج قومًا وهم في حالة الحزن هذه، إن ماضي الحربي، ومجدي التاريخي، وخلقي الإسلامي، كل أولئك لا يرتضي أن أهجم على أناس عزل، أو جنود غير مستعدين للمعركة ولا متأهبين للدفاع.

أين الخلق الكريم من خسة الأعداء قديمًا وحديثًا في صنيعهم مع المسلمين من دفن للمسلمين أحياء في مقابر جماعية، كما حدث في البوسنة والهرسك، ومن ذبح للأسرى، ومن هتك للأعراض؟! سيظل المسلمون قمة رغم جراحهم، في تحريم الخيانة والغدر، وفي منح الحرية وحق الأسرى في الحياة، وحرص على الأموال والأعراض.

لقد عرف عن \"نور الدين\" شدة الخوف من الشبهات، والخشية من الحرام، زاره في بيته قاضي القضاة، ومعه مال كثير من أموال الأوقاف، فلما علم نور الدين بحقيقة الأمر، غضب غضبًا شديدًا، وأمر بأن يحمل المال ويعاد إلى مكانه، وقال لعماله: \"ردوه إليه وقولوا له إنما رقبتي رقيقة، لا أقدر على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة تقدر على حمله\".

وكان - رضي الله عنه - يقول: \"طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها\"، لقد أدركها على فراشه، وبقي ذلك في أفواه الناس: تراهم يقولون \"نور الدين الشهيد\"º لأنه مات شهيد المرض، وحرص على الشهادة طول حياته.. - رضي الله عنه - وأرضاه.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply