صفحات مهمة من تاريخ الأمة ( 1 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

غلب على الكتابة التاريخية في العصور المتأخرة، تقسيم التاريخ بحسب الأسر الحاكمة، وانعكس ذلك على التاريخ الإسلامي أيضاً، فنراه يقسم - بعد عصر البعثة وصدر الإسلام - بحسب الأسر الحاكمة: العصر الأموي، العصر العباسي، العصر المملوكي، العصر العثماني... الخ، وكذلك يتم تقسيم كل عصر إلى أجزائه الأصغر بحسب عهد كل حاكم في العصر الواحد، ولكن هذا النهج في الكتابة التاريخية، ليس هو النهج الذي كان المؤرخون المسلمون الأوائل يسجلون به التاريخ، إذ أنهم كانوا يكتبون عن تاريخ الأمة الإسلامية منذ تكونت على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثم في المدينة ثم ما تلا ذلك من عهود، وكان هؤلاء المؤرخون يتحدثون عن الحكام الذين تولوا الحكم - حديثاً طبيعياً - أثناء حديثهم عن تاريخ الأمة، بل كانوا يركزون على أحوال الأمة في عهود هؤلاء الحكام.

إن نظر أولئك المؤرخين كان منصباً على التواصل التاريخي بين أجيال هذه الأمة بكل ما فيه من مد وجزر، وانتصار أو انكسار، وارتفاع أو انخفاض. لقد أشار الأستاذ محمد قطب إلى هذا المعنى في كتابه القيم (كيف نكتب التاريخ الإسلامي)، وفي بداية الكتاب وصف التاريخ الإسلامي بأنه (ليس تاريخ الدولة الأموية أو الدولة العباسية أو دولة المماليك أو الدولة العثمانية، إنما هو دائماً تاريخ الأمة الإسلامية، ومعياره الدائم في أي حقبة من حقبه هو هذا المعيار... لقد كانت الأمة قائمة برسالتها، وعلى أي نحو كان ذلك؟ وعلى أي مستوى؟ أم كانت مجافية لرسالتها، متقاعسة عنها، ناكلة عن مقتضياتها؟ وعلى أي نحو كان ذلك وعلى أي مستوى؟... وحين ندرس تاريخ الأمة على هذا النحو، تتضح لنا جوانب كثيرة من الصورة، تغيب عنا حين لا نتخذ هذا المنهج، وبالذات حين نتبع المنهج الذي يقسم التاريخ إلى تاريخ الأسر الحاكمة\". [1]

وثمة معنى آخر هام، وهو أن الحضارات التي سجلها المؤرخون غير الإسلاميين، إنما هي حضارات المادة والعمران والبنيان، بينما الحضارة الإسلامية كانت حضارة الإنسان الذي لا كرامة له إلا بالإيمان، وصحيح ما قال، فالمؤرخ المسلم لا يرى في البنيان الشاهق، أو أكثر العمران والمشاهد دليلاً وحده على التحضر والتقدم والارتقاء، لأنه قد وجدت كثيراً في تاريخ البشر من هذه المشاهد شواهد على حالات من القهر والتخلف والظلام، ومثال ذلك البارز الأهرامات الباقية في مصر إلى اليوم كشاهد على جبروت الحكام الفراعنة واستضعافهم للشعوب وتسخيرهم لطاقات البشر في بناء المجد الكاذب للأموات من الطواغيت الذين لم يكتفوا بنهب الثروات الضخمة في حياتهم حتى أرادوا أن يسرقوها معهم إلى عالم الآخرة، فينصبون من أجل ذلك الحراس من الأصنام والصروح والأهرام.

أما الأمة الإسلامية المختارة. فإن تاريخها يوزن بوظيفتها الأولى وهي إخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ويأتي عمران الدنيا وإسعاد البشر فيها مبنياً على ذلك.

من هذه الأرضية سيكون منطلقنا وسيرنا - إن شاء الله - في هذه الحلقات، مذكرين القارئ الكريم بصفحات مهمة من تاريخ هذه الأمة، وبطبيعة الحال فإن الحديث عن تلك الصفحات لن يكون حديث استقصاء، بل حديث انتقاء، سنختار منه ما تمس الحاجة إلى استحضاره في حاضرنا، ودراسة وقائعه لواقعنا واعتصار فوائده لعصرنا. فتاريخ كل أمة هو بمثابة الذاكرة في عقل الإنسان، لولاها لما استفاد في حاضره، ولا انتفع من ماضيه لمستقبله.

ولا بد لنا قبل البدء في تقليب صفحات من تاريخ الأمة الإسلامية، أن نستعيد أولاً أهم الصفات المميزة لهذه الأمة سواء من الناحية الشرعية الدينية، أو من الناحية الكونية القدرية، ويمكننا أن نجمل الكلام عن هذه الصفات فيما يلي:

أولاً: أمة مصطفاة: فأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - اصطفاها الله - تعالى - بعد أن ضلت الأمم قبلها وخرجت عن الدين الصحيح إلى دروب الشرك والوثنية. قال - تعالى -: ((والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه، إن الله بعباده لخبير بصير. ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير)) [فاطر/31، 32]. فالظالم لنفسه - كما عرفه ابن كثير - هو المفرط في بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، والمقتصد هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، وأما السابق بالخيرات فهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((الذين اصطفينا من عبادنا)) هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. [2]

 

ثانياً: أمة معصومة: بمعنى أنها لا تجتمع على ضلالة، فهي بمجموعها معصومة من الانحراف العام، ولا يستوعبها الخروج على أصل من أصول الدين، وهذا يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: \"إن الله لا يجمع أمتي أو قال: أمة محمد على ضلالة، ويد الله مع الجماعة\". [3]

 

ثالثاً: أمة مرحومة: فهذه الأمة خصها الله - تعالى - بمزيد رحمته، فرفع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم قبلها، فعندما دعا المؤمنون وقالوا ((ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا)) [البقرة/286] قال الله - تعالى -: \"قد فعلت\". [4]

 

رابعاً: أمة داعية: فالدعوة وظيفتها الأولى، قال - تعالى -: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) [آل عمران/110]، وقال: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)) [آل عمران/104].

 

خامساً: أمة باقية: فهي أمة خالدة إلى يوم القيامة، لن ينقطع وجودها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلن تستأصل بعذاب أو تستوعب بانحراف بل تبقى طوائف منها تقاتل على الحق، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال قبيل قيام الساعة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة\". [5]

 

سادساً: أمة ظاهرة: فالأصل أن تكون هذه الأمة ظاهرة ظافرة بعمومها، والاستثناء أن تستذل وتستضعف قال - تعالى -: ((ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)) [الأنبياء/105]، وإذا لم يكن هذا الظهور عاماً في الأمة فلن يخلو زمان من طائفة من الأمة ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم...

 

----------------------------------------

[1] - (كيف نكتب التاريخ الإسلامي)، للأستاذ محمد قطب، ص 17، دار الوطن بالرياض

[2] - تفسير ابن كثير 3/533

[3] - أخرجه الترمذي في أبواب الفتن. باب لزوم الجماعة (7)، ح (2255) 3/315، وصححه الألباني في صحيح الترمذي. حديث رقم (1759) 2/232.

[4] - رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً

[5] - رواه أحمد في مسنده 7/133، ح (5146) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply