إبراهيم العِسعِس : صراع الفكرة لا يحتمل أنصاف الحلول


 

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ العمل الإسلامي من ضيق اللافتة إلى سعة الإسلام

ـ الدور المفقود للعلماء كيف النهوض به؟

ـ عملية نقد الذات التي تنتج مراجعة الأفكار والمواقف سمة الإنسان العاقل، ولا مانع عندي من أن يراجع الداعية مشروعه كلَّه

في عالم الفكر وساحة الأداء الثقافي والتغييري، تخوض آراء عديدة، وأفكار متغايرة متباينة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بيد أنَّ في واقع العمل الإسلامي اجتهادات تنمٌّ عن قلَّة وعي، أو نقص خبرة، أو إخفاقات في عمل، وحول هذا الصدد، تنتشر آراء المفكرين والعلماء في دراسة الواقع الراهن، وإبداء الداء، والسعي لاكتشاف حلول الدواء المفيد والناجع.

وليت أنَّ العلماء والمفكرين حاولوا محاولة جادة لإعادة النظر فيما يكتبونه بين فترة وأخرى، مع روح النقد البنَّاءة، واستشعار المسؤولية، ومحاسبة الفكرة والكلمة، أضف على ذلك نزع الهوى وشرارته، وتغليب رأي النقاد على حسن الظن، لعلَّ ما بين الزوايا خبايا، أو أن تكون هناك تغذية راجعة تفيد ولا تضر بإذن الله.

وبين أيدينا حوار مختصر أجريته مع أحد الدعاة المرموقين في الأردن، الداعية: إبراهيم العِسعِس، والذي لم يألُ جهداً في إبراز فكرته، وإفراز تصوراته، بروح منهجيَّة، ورؤية مختصرة.

بداية الحوار:

ـ بوجهة نظرك: ما المنهج التغييري الذي تراه مناسباً وفيه روح نهضوية تجديدية؟

ج: لقد افترضت كلٌّ حركات الإصلاح ـ الإسلامية وغير الإسلامية ـ منذ أكثر من مائة عام، أن مشكلة النهضة تكمن في أن يعرف الإنسان ما كان يجهل، أو يتمم ما كان ينقصه، وعليه فقد صاغت كل حركة مشروعها بناء على ما رأت أنه ينقص الأمة. وقد أثبتت التجربة أن الجهود كانت تقف مكانها، وأن الذين كان يفتـرض أن يكونـوا أدوات التغـيـير ورواد النهضة كانــوا ـ بشكل عام ـ محتاجين للتغيير والإصلاحº والسبب في رأيي أن الخطاب النهضوي لم ينتبه إلى أنَّ إنسان المنطقة يحتاج لخطابٍ, يضعه على خطِّ الإنسانية. لقد أنهكت الظروفُ التي مرَّت بالمنطقة الإنسان، وأفسدت قابليته للتفاعل مع أيِّ فكرة.

إنَّ الخطاب أو المنهج التغييري الذي أراه هو منهج ما قبل التوجه إلى الصلاة، أو إصلاح العقائد لأنك في هذه الحالة تحاول أن تصلح عقيدة أو سلوك إنسانٍ, قد فسدت أدوات الإنسانية لديه. لا بد من أن يحدث تغيير لما في الأنفس قبل حدوثه في التصرفات. ذلك أن الخلل كامن في الصحة النفسية عند المسلمين، وهم عندما يتدينون يحملون طباع ما قبل التدين إلى ما بعد التدينº هذا بالنسبة للخطاب.

أما بالنسبة للآليات التغيير فالذي أراه أنه لا بد من عودة أولي الأمر إلى الصفوف الأولى، وقيادة الأمة علماً وعملاً، وأعني بأولي الأمر: العلماء، فهم الدور المفقود، وهم الدور الذي كان ينبغي أن يكون! لقد فقد العالم دوره الاجتماعي مكتفياً بأن يكون بحر علم، يزدرد العلم ويتمضمض به دون دور فعال في الأمة.

إن الساحة الآن لا تحتاج لجماعات جديدة، فهي تعاني من التخمة! وأحب أن أشير إلى قضية مهمة وهي أن أعداء الحل الإسلامي استطاعوا دائماً عزل العمل الإسلامي عن الأمةº لأن الفكرة إذا تمثلت في حزب أو جماعةº فإنه عند نقطة معينة وفي ظروف معينة يمكن تحييدها وعزلها عن الأمة، من خلال حصرها في اللافتة، بحيث تصبح الأمة في طرف واللافتة في طرف آخر.

إن أكبر نجاح للجاهلية كان في قدرتها على تحييد الجماعات عن الأمة، فكانت الجماعات تضرب والأمة تنظر وكأن الأمر لا يعنيها! وأرجو ألا يفهم من كلامي أنني أبحث في شرعية الحزب أو الجماعة، وإنما أقصد أن العمل الإسلامي لا بد أن يأخذ شكلا آخر يفوت على خصوم الحل الإسلامي فرصتهم لتحييد العمل عن الأمة.

وشعار هذا المشروع هو: إخراج العمل الإسلامي من ضيق اللافتة إلى سعة الإسلام، وخطاب الأمة بمجموعها، بحيث تكون الأمة هي الإطار.

ـ كثير من الناس يُلقون عتبهم على العلماء، ويقولون: العلماء في زماننا هـذا ليس لهم دورٌ منشود، وقلَّ منهم من يمسك بدفة القيادة؟

ج: هذا وصف صحيح لظاهر الحال، لا ينبغي أن نجادل فيه. ولكن هل سأل هؤلاء العاتبون أنفسهم: لماذا وصل العلماء إلى هذا الحال؟ إن الناس يريدون من العلماء أن يتقدموا الصفوف، ولسان حالهم يهتف: سيروا ونحن من ورائكم، فيتقدم العلماء المسيرة ظناً منهم أن الجماهير تتبعهم، وعند أول شـدَّةٍ, ينظر المساكين وراءهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم فإذا لا أحد، لقد تركوهم وحدهم في الميدان يواجهون أقدارهم! وليتهم اكتفوا بهذا الموقف، بل أضافوا إليه اللوم والاستهزاء، متهمين إياهم بالتسرع والتهور وعدم المسؤولية. ومن ناحية أخرى أشير إليها وهي: كيف تتوقع الأمة من علمائها الإمساك بدفة القيـادة، وتحمل أعباء تقدم المسيرة، في حين أنهم إفراز نظام اجتماعي، واقتصادي، وتعليمي مُتخلف، فقد وضع الناس العلماء في آخر السلم الاجتماعي، وهم من الناحية الاقتصادية أفقر الطبقات، ومن ناحية التعليم فإن أصحاب القدرات المتواضعة هم الذين يتوجهون لدراسة الشريعة، فكيف تتوقع الأمة من العلماء قيادة المسيرة؟!

ـ أراك يا شيخ إبراهيم قد جعلت العلماء كلهم في كفة التشاؤمº فهل يعقل أن الأمة الآن ليس لديها علماء على قدر المسؤولية؟!

ج: من الواضح أن الكلام وإن كان يأخذ شكل التعميم أحياناً، لكن التعميم ليس مقصوداً، ونحن على كل حال نتحدث عن الأعم الأغلب، وهنا نقطة مهمة وهي أن هناك علماء، وهم أهل فضل وعلمº ولكننا نتحدث عن الدور المفقود، وهنا أقول: نعم، لا يوجد علماء على قدر المسئولية، ومرة أخرى هذا لا ينفي وجود عدد قليل، هم في النهاية طفرات، لم تأخذ حقها لأسباب كثيرة.

ـ وما الأسباب هذه؟

ج: ما أشرت إليه في إجابة سؤال سابق، وهي المستويات التي جاء منها من انتسب للعلم ونتيجة لظروف الأمة، وهناك تخاذل الأمة عن الوقوف خلف أهل العلم، وهناك ضغط الأنظمة الحاكمة على مدار عقود طويلة والتي قتلت إنسانية إنسان المنطقة، وهناك الاسترخاء الذي وقع فيه من ينتسب إلى العلم نتيجة قيام جماعات وأحزاب كأنها أخذت دور العلماء.

ـ كيف تنظرون إلى أهمية التفكير العلمي ودراسة الأحداث المستقبلية عبر رؤية شرعية متزنـة؟

ج: أهم مشكلة منهجية يعاني منها المسلمون منذ قرون هي فهمهم الخاطئ للقدر، ولعالم الأسباب، ولحدود فاعلية الإنسان. وقد انتهى بنا هذا إلى أن يكون تفاعلنا مع الحدث تفاعلاً غريزياً لا تفاعلاً مقصوداً، وإلى اعتبار التخطيط للمستقبل نوعا من أنواع التنجيم، على أساس أنه من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه!

والذي أراه أنه دون فـكِّ الاشتباك بين ضرورة النظر والتخطيط للمستقبل وبين عقيدة استئثار الله - سبحانه - بالغيب، وتحديد فاعلية الإنسان بالنسبة لعالم الأسباب والتوكل والقدر، فإن كلامنا عن المستقبل سيكون من الترف الذي لا يسمن ولا يغني من جوع! والناظر في القرآن يجد أنه حتى وهو يتحدث عن التاريخ إنما ينظر للمستقبل، وما السٌّننية التي قررها القرآن وهو يتحدث عن الماضي إلا تعليما لبناء المستقبل.

إن أي عملية تقدم ونهضة لن تتم إلا بدراسة المستقبل والتخطيط له، ومن أعجب الأمور أن حركات النهضة التي قامت في العالم الثالث لم يكن هذا الموضوع على بالها! لقد كان ذلك من الأمور غير المفكر بها.

ـ كيف نستطيع أن نحدد المسافة الصحيحة بين التراجعات والمراجعات في واقع الحركة الإسلامـيـة؟

ج: لا شك بأن عملية نقد الذات التي تنتج مراجعة الأفكار والمواقف سمة الإنسان العاقل، ولا مانع عندي من أن يراجع الداعية مشروعه كلَّه، ويبدأ من جديد. لكن المهم أن ينطلق في مراجعته من وعي كامل بلا أي تأثير خارجي، وإلا كانت تراجعاً لا مراجعة. والحد الفاصل بين المراجعة وبين التراجع ما يلي:

ـ أن يكون الذي يقوم بالمراجعة من المؤهلين للقيام بهذه المهمة المعقدة.

ـ أن يكون ممن هضم الفكرة التي يريد إجراء مراجعته عليها، معروف الإخلاص لها، وبهذا نضمن ألا يستغل الدخلاء هذه الفسحة لهدم الأفكار وقد أشار القرآن لمثل هذه الظاهرة: \" وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون \" فهؤلاء بدعوى المراجعة، يريدون تشكيك الناس بدينهم، والكاشف الذي بينه الله لنا هو أنهم آمنوا وجه النهار، أي أنهم لم يصلوا إلى درجة التضلع بالفكرة حتى ينالوا حقَّ المراجعة لها.

ـ أن تتم مراجعته في أجواء نظيفة حرة لا ضغط فيها ولا إرهاب، سواء كان الضغط إرهاباً، أو نتيجة الإعلام الضاغط، فمن يقوم بالمراجعة في جو \" مَرَضي \" أياً كان شكله لا تقبل مراجعته.

ـ أن يدل أسلوب المراجعة ومنهجها على أنها فعلا مراجعة، لا انقضاضاً على الفكرة وهدماً لها، ولا مسحاً وسحقاً للماضي، وهذا كله يظهر في لحن القول الذي يدل على أن المراجعة تتم في أجواء عقدة نفسية. وأنا أقول هذا بعيداً عن موقفي من مضامين المراجعة، وصوابها وخطئها، القضية لدي تحصين الأفكار من أن تتحول نهبا لمن شاء ليقول ما شـاء، وحفاظا على وعي أتباع الأفكار من أن يفقدوا حقهم في القبول أو الرد، بعيداً عن التأثيرات المريضة أو المستأجرة.

ـ يتنادي كثير من الدعاة والمفكرين إلى مدرسة التيسير والوسطية في فكره وطروحاته، وقد تظهر وسطيته في اختياره الأقوال السهلة من شتى المذاهب، استدلالا بأنه - صلى الله عليه وسلم -: \" ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما \" فما هو رأيكم في هذه الظاهرة، وما مفهومكم للوسطية؟

ج: هناك أزمة حقيقية في أوساط بعض العلماء والدعاة، تتمثل في فقه اسمه: فقه الأزمة، هذا الفقه وليد حالة الضعف التي يمر بها المسلمون، ووليد الضغط الإعلامي، أياً كان مصدره، الذي يضع الإسلام في قفص الاتهام، مثيراً عدة قضايا تُربك المسلمين، فينهضون للدفاع عن دينهم! ومن أجل هذه الغاية العظيمة يتبعون منهجا توفيقيا أو بالأحرى تلفيقيا!

ومن المناهج التي يتبعونها الدعوة إلى الوسطية والتيسير، للوصول إلى فقه يُبيض وجه الإسلام! أو يُسهل على الناس التمسك بدينهم في هذا الزمن الصعب!

وكي يكون كلامنا علميا بعيدا عن العاطفة والتعميمات، أقول: نعم، الشريعة مبنية على اليسر، وهي دين الوسط، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: \" بعثت بالحنيفية السمحة \"، وقال الله - تعالى -: \" ما جعل عليكم في الدين من حرج \"! وقال - سبحانه -: \" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها \" ولكن أي يسر وأي وسط؟ أما هؤلاء فاليسر والوسطية لديهم يعنيان: السهل، وطريقتهم في الوصول إلى هذا السهل يتم بما يلي:

ـ إما أن يختاروا الأسهل من كل مذهب، فالتيسير والوسطية في نظرهم تتبع رخص المذاهب! ولذلك تجد كثيراً من المفتين والدعاة يتكئون على الخلاف الوارد في المسائل ـ أياً كان موضوعها ـ فيعملون ويفتون وفق الأسهل! وقد قال أهل العلم: إنَّ من تتبع رخص المذاهب بدعوى التيسير فقد رقَّ دينه!

ـ وإما أن يختاروا أسهل ما يمكن أن يفهم من النص!

والحقيقة أن الوسطية واليسر الواردين في الشريعة لا يقصد منهما ما سبق ذكره. ذلك أن مقياس اليسر أو الوسطية ليس تابعا لنظر الناس، ولو كان كذلك لما تحقق المقصود من الشريعة، فهي قد جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهـمº كما يقول الشاطبي - رحمه الله - . والذين يطلبون اليسر أو الوسطية يقصدون تجنيب الناس المشقة، ونحن نسـأل وهل هناك تكليف بلا مشقة؟! أما الحرج المنفي، وأما التكليف بالوسع، وأما المشقة المنفية فهي جميعا ما تجاوز الحدود العادية للمشقة وما أوقع في الحرج، أما المشقة الطبيعية فالتخفيف فيها إهمال وتفريط. ونسأل: الوسطية في نظر من؟ واليسر في نظر من؟ في نظري أم في نظرك؟ ألا تتحول المسألة إلى مسألة نسبية، فالذي أراه يسيرا تراه عسيرا، والذي تراه وسطا أراه في أقصى الطرف! ولا بد عندها من العودة إلى معيار يرجع إليه الجميع، فلا بد من الشريعة. وهذه هي طريقة العلماء المقتدى بهم فهم على اختلاف مناهجهم الأصولية كانوا يقصدون الوصول إلى مراد الشارع بغض النظر عن الصعب والسهل. ويعتبرون عندها أن ما انتهوا إليه هو الوسط وهو اليسر لأنه مقتضى النصـوص، يعني أن الوسطية لم تكن عندهم حاصل القسمة على اثنين كما هو الحال عند الكثيرين في أيامنا هذه!

إن المتتبع للنصوص الواردة في النهي عن التنطع والتشدد، والدعوة إلى اليسر والوسطية، يجد أنها وردت في السياقات التالية:

ـ في النهي عن الزيادة والمبالغة في العمل المشروع أصلا. فالتشدد هو الزيادة عن المشروع، بأن يُـتخذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، واتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات.

ـ في مقابل التنطع المنهي عنه، وهو الغلو في الدين بما لم يجئ به الدين. كأن يتعب نفسه ظناً منه أن ذلك أدعى للقبـول، أو أن يلزم نفسه بما لا يلزمه من النوافل أو ترك المباح. وهذا تسبب بمشقةٍ, فيما ليس بمأذون.

ـ في معرض الرد على الذين يتشددون احتياطا، ويزيدون بدعوى الورع، ظناً منهم أن الميل إلى التشديد أفضل وأتقى، فجاءت نصوص التيسير لترد عليهم، فالتيسير إذن هو رد الناس إلى السنة، وقد نصَّ أهل العلم المحققين على أن الاحتياط حسن، ما لم يُفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك الاحتياط!

ـ في من يوغل في عمل يؤدي إلى التقصير في الأعمال الأخرى.

ـ ورد النهي عن التشديد، والأمر بالتيسير في كيفية توصيل الحق إلى الناس، وحملهم عليه، وهو الرفق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم لوم المكلف إذا بلغ جهده في أداء الحق ثم أخطأ، وفي كيفية دعوة المخالفين.

أما عن حديث عائشة - رضي الله عنها -: \" ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -..إلخ فهذا في أمور الدنيا كما قال ابن حجر - رحمه الله -.وفي النهاية أقول إن المسألة تحتاج لصبر في النقاش، فالظروف صعبة، فإن أجواء العصر تساعد على هذا الترخص، والضغط ليس سهلا، لذلك سيطرت روح التيسير على كثير من أهل العلم والدعاة، ضمن منظومة من المقدمات الأصولية مثل: الواقعية، والمصالح، والمقاصدية، والتيسير، والوسطية، وتغير الأحكام، التي وظفت توظيفا خاطئا كما أعتقد، وفي كثير من الأحيان كان يتم الاعتماد على مقدمات صحيحة، والوصول إلى نتائج خاطئة!

ـ نرى أنه من تجارب حركات الاستقلال، أن الإسلام كان الذي يقود المعركة، والعلمانيون يقطفون الثمرة! كيف السبيل إلى عدم تكرار تلك الإخفاقات في واقع العمل الجهادي الإسلامي؟

ج: من المؤسف له أن الذين قادوا حركة التحرر من الاستعمار هم الإسلاميون على اختلاف توجهاتهم، أو بتحديد أكثر أنَّ الروح الإسلامية هي التي حركت الجماهير للنهوض ضد المستعمر.ثم ما الذي حصل، قاد المشايخ الجهاد، وقدمت الأمة التضحيات، وبكل بساطة استلمت الأحزاب العلمانية الحكم! لماذا؟

لأن الوعي على المشروع الإسلامي لم يكن على المستوى المطلوب، وبعبارة أخرى لم يكن هناك مشروع لما بعد الجهاد، المهم أن نجاهد وبعد ذلك سنذهب إلى بيوتنا! على العكس من الأحزاب العلمانية فقد كانت صاحبة رؤية وهدف بعيد. لقد كان الطموح يقف عند حدود إخراج المستعمر!

ـ أحد الأسباب المهمة هو العقل العلمي السياسي لخصوم الحل الإسلامي على العموم، وللاستعمار على وجه الخصوص، فقد كان عندما يشتد الضغط عليه يدرك بأنه لا بد من خروجه. وبعد أن يكون سؤاله ابتداء: كيف أقضي على الرفض؟ يتحول فيما بعد: إذا كان لا بد من الخروج فمن يستلم مكاني؟ ولاشك بأن العلمانيين أولى من غيرهم في نظر الآخرين.

ـ السذاجة، وقلة الوعي، والقابلية للاستغفال، لدى الإسلاميين والعلماء بشكل عام. وسأضرب مثالا واقعيا يستوعب هذه الأسباب الثلاثة:

أيام الاستعمار الفرنسي لتونس، أسس المشايخ حزبا أسموه حزب الاستقلال، وكان الشيخ الثعالبي - رحمه الله- رئيس الحـزب. نشط الحزب في الدعوة للاستقلال والجهاد في سبيل ذلك، حاول الاستعمار في البداية ضرب هذا المشروع، لكن التفاف الشعب التونسي حول العلماء وقف سدا أمام غايتهم، ولأنهم يتبعون الأسلوب العلمي في سياستهم، ولديهم مراصد تتابع حالات الشعوب، فقد أدركوا أن المشروع لا محالة منتصر، وأنهم إذا أصروا على عناده فسينتصر في النهاية وسيستلم المشايخ الحكم، وسيكون شكل الحكم القادم إسلاميا. إذن فليتحقق الاستقلال عن غير طريق المشايخ. في ذلك الوقت برز على السطح محام كان قد تخرج من فرنسا، متنور، وبما أن المشايخ يريدون كسب المتنورين، أي غير (المعممين)، فقد قبلوه في الحزب ورفعوه، وبدأ يسطع نجم بورقيبة، وفي سنة 1955 أعلن بورقيبة أنه إن وصل إلى الحكم فسيحكم بالعلمانية، فثارت تونس واعترض المشايخ وكانت الأمور لا تزال في أيديهم، فتشكل وفد منهم وذهبوا إليه في بيته: \" وقلوبنا ممتلئة عليه \"، كما روى الشيخ النيفر، وعند الباب قال لهم الخادم: إن سيدي الحبيب يتوضأ! إذن الرجل لا زال يصلي، ارتبك المشايخ، وجاءهم بعد أن صلى! وسألوه كيف تصرح هذا التصريح؟ فحاص وصاح رافضا أن يشكك أحد بدينه وانتمائه، ولكن يا أسيادنا إنه التكتيك! وانطلت الحيلة على المشايخ وخرجوا إلى الشعب التونسي الغاضب فطمأنوه أن الحبيب لا زال على العهد! وبعد عام واحد فقط حصل الاستقلال واستلم بورقيبة وعمل ما لم يستطع الاستعمار أن يعمـلـه! والسبيل إلى عدم تكرار ما حصل طوال مائة عام:

ـ صياغة مشروع متكامل، وعدم الاقتصار على طلب الموت.

ـ وجود مرجعية للعمل الجهادي، تكون هي الغطاء السياسي والعلمي، والمتحدثة باسمه، والمعبرة عن رأيه.

ـ الوعي على أساليب أعداء الحل الإسلامي، ووضع الطيبة الساذجة جانباً، والتلبس بالدهاء والحنكة.

ـ أن يعلم بأنَّ الاستمساك بالمنهج، والصبر على الثوابت، واتباع الوحي، هو الأصل الواجب الالتزام، فلا ينبغي الاستعجال والاستجابة لطلبات الآخرين رغبة في تحقيق مكاسب موهومة. إن صراع الفكرة لا يحتمل أنصاف الحلول.

ـ كثر المنادون بالوحدة الوطنيةº بغض النظر عن الاختلافات العقدية، ويرى بعض المفكرين بأن هذا لا يخدم مبدأ الوحدة الإسلامية، بل إنه يحقق شيئاً من مراد الأعداء في رغبتهم في قلب المعركة بينهم وبين المسلمين إلى الوحدة الوطنية والقومية لإبعاد الروح الإسلامية؟

ج: أمَّا أن ينادي المنادون بالوحدة الوطنية فهذا شأنهم، وأمَّا أن تكون مقاصدُهم من وراء هذه الدعوة التخريب والاختراق فهم وما يريدون! لكنَّ الشأن كل الشأن في كيفية تعامل المسلمين مع هذه الدعوة، ومدى وعيهم على مقاصدهـا، وحنكتهم في استيعابها وهضمها وإدارتها من خلال ما يريدون، لا من خلال خطة الآخر! وبهذا يضمن المسلمون سلامة النتائج أياً كانت المقاصد. هذا الذي ينبغي أن يكون، ولكن ـ وللأسف ـ الكائن من أكثر المسلمين العاملين، وبعضهم له اتجاهات كبيرة لها وزنها، أنهم يتبعون كل ناعق ينادي بمثل هذه الدعوات. والحقيقة أنني وإن كنت لا أتهم النوايا في كثير من الأحيان، إلا أنني أقول: إن حسن القصد في مثل هذه القضايا المصيرية لا تنفع صاحبها، وقد قيل قديما: إن جهنم مليئة بأصحاب النوايا الحسنة.

إن أخطر ما في هذه الدعوات أنها تُميِّعُ الطرح الإسلامي، وتُربك الدعاةَ فضلاً عن الأتباع والجماهير. وهي دليل على سذاجة من يتجاوب معها دون وعي، وحسن إدارة. وهي دليل على أننا نجهل أو نتجاهل وجود صراع فكري حامي الوطيس، وأننا نجهل أساليب الآخرين بإدارة هذا الصراع! وهي قبل كل شيء دليل على عدم وضوح ونضوج عالم الأفكار عندنا، ومن كان كذلك فهو سهل الانقياد، ساذج الوعي، ضعيف أمام الصنمية أياً كان شكلها، ولا عجب فإنه: \" إذا غابت الفكرةُ ظهرَ الصنم \"!

وأعجب ما في الأمر أن الداعين الآن للوحدة الوطنية عندما كانت الجولة لهم، لم يكن المسلم يجرؤ على التصريح بمبادئه وكانوا يرفضون مجرد التعامل مع المسلمين، بل كانوا يحتقرونهم! ثم دار الزمان دورته فصارت الجولة للمسلمين، فإذا القوم يدعون للوحدة الوطنية، وإذا بعض المسلمين يقولون: لبيكم وسعديكم! والآن ترى في أكثر من بلد إسلامي، يشتغل بعضُ المسلمين رافعاتٍ, للعلمانيين، ودعاة الوحدة الوطنية بعد أن كسدت بضاعتهم، وانفضَّ سوقهم! والسبب الذي يدفع كثيرا من المسلمين إلى التجاوب إضافة لما ذكرتهº الرغبة في كسب القلوب، واثبات أن المسلمين متـنورون! وأحيانا يكون ضغط الواقع دافعا قويا حيث يخاف المسلمون من اتهامهم بأنهم ضد الوطن والوطنية! ثم هناك الحذر من الاتهام بأنهم أسرى التفسير البوليسي للأحداث! وهناك الاستعجال في تحقيق شيء ما في ظل النكسات التي يمر بها العمل الإسلامي فيندفع المسلم لقطف أي عرض حتى يشعر نفسه بتحقيق أي مكسب.

إن أهم نتائج هذا التجاوب توقف الدعوة إلى الله، وتجميد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالذي يريد الدخول في هذه اللعبة عليه أن يثبت استيعابه للآخرين، وبهذا يفقد حقه في الدعوة، لأنه لا يملك حق تخطيئ الآخرين! وبهذا يصبح الفكر الإسلامي فكرا من الأفكار الموجودة على الساحة، لا حق أكثر مما تمنحه إياه قواعد اللعبة التي وافق على دخولها.

وقبل أن أنهي أحب أن أنبه على أمر مهم، وهو أننا لسنا ضد التعامل مع الآخرين الذين يشاركوننا الوطـن، والأرض، ولكن تحت أحكام الشريعة، ودون التنازل عن الثوابت والأسس. إننا لسنا مسؤولين عن هداية الناس على حساب الثوابت، ولكننا سنسأل عن اتباعنا لشريعة الله، وقد قال الله - عز وجل - لنبيه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عندما واجه مثل هذه العروض والضغوطات: \" واتبع ما يوحى إليك، واصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين \". يعني لا تتنازل عن شيء رغبة منك بهداية الناس، وتجاوبا منك مع عروض الجاهلية كي لا تتهم بالجمودº بل اتبع الوحي، واصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply