الحوار بين الثقافات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بأي شكل يمكن أن يتم التبادل الفعال بين الثقافات الغربية والإسلامية؟

وكيف يمكن التغلب على عدم الألفة والمخاوف المتبادلة؟

لقد أصبحت العلاقات بين الدول الغربية والعالم الإسلامي أكثر صعوبة بعد الهجمات في 11 سبتمبر 2001م.

 

لقد أدى تدمير مركز التجارة العالمي والرد العسكري الأمريكي إلى خلق تحفظات وعدم ثقة، وحتى خوف متبادل، بالرغم من أن العديد من الناس في أوروبا وأمريكا الشمالية يرحبون بكل شيء إسلامي - أو حتى الإسلام بذاته - باهتمام جديد، إلا أن العديد من المسلمين يتهمون الغرب بالكفاح من أجل التفوق والسيادة وباستعمال معايير مزدوجة.

 

* الصدام أم الحوار؟

خلال العقد الأخير، أصبح الجدل حول العلاقات بين المجتمعات الغربية والإسلامية واضحاً تحت عنوانين متعارضين: بينما تحدث البعض عن\"صدام الحضارات\"، والذي يعني في المقام الأول نزاعاً جوهرياً بين الغرب والإسلام، ناشد الآخرون من أجل\"حوار الثقافات\"، مما يثير الاهتمام هنا، حقيقة أن هذا الاختلاف لم يكن موجوداً بين الغرب والعالم الإسلامي، ولكن كلا الموقفين كان موجوداً داخل الطرفين.

 

كانت هناك مناقشات قوية بين الجانبين فيما إذا كانت الثقافات تنقسم بسبب الاختلافات الجوهرية أو تتوحد بالفرصة والحاجة للحوار، لكن هذا الجدال لا يتم بين المسلمين والغربيين، بين الديني والدنيوي، بين أوروبا والشرق الأوسط، بين الإسلام والمسيحية، بل ضمن كل تلك المجموعات.

 

ثبتت صعوبة حوار الثقافات أيضاًº لأنه يجب أن يتم إجراؤه داخل المجتمعات نفسها، حيث يجابه بالمعارضة المترددة أحيانا والقوية أحياناً أخرى. يفترض الناس في كلا الثقافتين أن هذا النوع من الحوار قد يهدد هويتهم الخاصة، وفي كلا الجانبين يأمل الناس بأن يتعلموا من بعضهم البعض.

 

يعد التفاهم الثقافي المتبادل مهمة صعبة، خصوصاً أنه يتأثر بشكل مؤذ بعلاقات القوى المختلفة السائدة في كلا الجانبين. منذ بداية القرن التاسع عشر اختبر المسلمون الغرب بشكل متكرر كقوة مسيطرة وليس كشريك متساوٍ,.

 

تأثرت علاقة دول الشرق الأوسط مع الغرب بالنقص العسكري، الاقتصادي، التكنولوجي، والسياسي منذ زمن الاستعمار، ويوجد هناك تفاوت أيضاً في القوة الاقتصادية والتكنولوجيا. هذا بالغ الأهمية: الحوار بين شريك قوي اقتصادياً وآخر ضعيف هو أصعب بكثير مما لو كان بين شركاء متساوين.

 

التفوق والسيادة تغريان أحد الطرفين ليعد نفسه ليس فقط أقوى، بل أيضاً أفضل، ومتفوق أخلاقياً، وبالتالي فلا يعامل شريكه في الحوار كنظير ولكن يعظ، ودائماً يعرف أفضل. النقص الحقيقي للطرف الآخر ممكن أن يجعله ينفر من الحوار بسهولةº لأنه إما أن يبحث عن مفر في موقف عدائي غير مرن أو يقبل مواقف الطرف المتفوق دون نقد أو تشكيك. عندها يصبح التبادل الحقيقي الصريح ليس فقط صعباً ولكن غالباً مستحيل.

 

وهكذا فإن أي شخص يرغب في الانخراط في حوار ثقافي تبادلي جدي يجب ألا يغمض عينيه عن اللاتوازن في القوى، وعليه أن يلتمس وبشكل خلاق طرق جديدة لإجراء تبادل بن ندين متساويين.

 

\"الغرب\"ليس كياناً متجانساً ثقافياً، ولكنه سلسلة متصلة من المواقف، القيم، وأنماط السلوك التي يمكن فهمها فقط ككل عندما ينظر إليها بمستوى عال جداً من التجريد.

 

يشمل الغرب الدين والإلحاد، الدنيوية والطوائف الدينية، فلاسفة عصر التنوير، محاكم التفتيش، حقوق الإنسان، الفاشية والديمقراطية، ويتضمن كذلك المجتمعات الريفية ذات الروابط العائلية القوية وقابلية التحرك المنخفضة، إضافة إلى خبراء في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عن بعد ذوي قابلية عالية للتكيف.

 

هناك اختلافات إقليمية وقومية مهمة. لغات مختلفة ولهجات، عقليات أبوية جنباً إلى جنب مع دعاة المساواة، تقدميون ورجعيون، وتعصب أعمى وتسامح. الغرب مليء بالاختلافات والتناقضات، فهو في مدة انتقال، في عملية تطور دائمة، مع تغير في القوى والقوى المقابلة. بإمكاننا جميعاً أن نتغاضى بسهولة عن هذه الاختلافات، وهذا المزيج من القيمº لأننا نعدها من المسلمات لدرجة أننا لا نراها كشيء غير اعتيادي، ونحن نغفل بشكل متكرر عن حقيقة أن الوضع هو نفسه بالضبط في المجتمعات الإسلامية: هنا أيضاً، يمكنك أن تجد التفاهم جنباً إلى جنب مع التعصب والانفتاح إلى جانب كره النساء وضيق الأفق إلى جانب التنوير. المجتمعات الإسلامية ليست إسلامية فقط، كما أن الغرب ليس\"غربياً\"فقط، فهي مكونة من مجموعة من التناقضات والنزاعات كما هي الحال في المجتمعات الغربية.

 

هذا يؤدي إلى ظهور مشكلتين. الأولى، هي: أن كلا الجانبين يميل إلى رؤية وتعريف الآخرين بشكل أساسي من خلال الاختلافات والجوانب الكريهة. العديد من الناس في أوروبا يرون الجوانب غير المألوفة للمجتمعات الإسلامية، وهكذا جزء واحد من الواقع، وكما أن ألمانيا ليست أساساً وحصرياً هي حليقي الرؤوس وهجمات المصابين بالخوف من الغرباء ودولة الهولوكوست، كذلك المجتمعات الإسلامية فهي لا تتميز فقط بالتعصب الديني، ومع ذلك فإن ظاهرة من هذا النوع تجذب كل الانتباه، وهكذا يتم استبدال الحوار بالنقد المتبادل للجانب المظلم للآخر. يجب ألا يتغاضى الحوار الحقيقي عن هذا العامل المدمر، بل أن يدركه ويميزه ضمن سياق أوسع.

 

ثانياً: تجعل الطبيعة المتناقضة للمجتمعات الغربية والمسلمة الحوار أصعبº لأنه لا يوجد هناك جانبان فقط، ولكن عدد لا متناهي من اللاعبين في كل جانب. لا يمكن أن يتم الحوار بين هذه الأنظمة المتغايرة ككل، بل بين أفراد وجماعات لكلا الجانبين، يبدو أن هناك شريك حوار واحد في الواقع، إما تبلور جدل ثقافة تعددية والذي يتعلم أيضاً قبول تنوع الجانب الآخر -أو لا حوار ثقافي متبادل.

 

إن أي محاولة لإيجاد شركاء رسميين في المناظرة يمثلون \"الغرب\" أو \"الإسلام\" يقيد التبادل بمجموعات فكرية بارزة، ويستثنى الغالبية العظمى للمجتمعين.

 

 

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply