سارة ترضع لبن الموت


بسم الله الرحمن الرحيم

يتجلّى من قصيدة \"سارة ترضع لبن الموت\" أن شاعرها الدكتور صابر عبد الدايم يرى بأن الروح الإسلامية الوليدة في مجتمعاتنا الإسلامية الآن كفيلة بتشكيل حرّيتها مهما نُسج حولها من مكائد، وهو يرى بأن هذه الروح بحريتها المقتنصة قادرة على تنميق واقعها تنميقاً صحياً صحيحاً.

فسارة زوجة نبي الله إبراهيم - عليه السلام - رمز لتلك الروح الإسلامية الوليدة.. التي تحتاج لشهد الحرية حاجة الطفل للبن أمه.. ولا يخفى قدرة هذا الشهد على قتل القهر والظلم.. وهاهو شاعرنا بأسطر قليلة يرسم لنا مشهداً مجسماً..

 

سارة

خلف القضبان إشارة

لم نعرف لون حكايتها...

فحكايتها... لغز يكنز أسرارَه

فالروح الإٍ,سلامية الوليدة السجينة ترسل إشارة من وراء القضبان/ القهر والظلم لتنبئ عن نفسهاº رغم ذلك.. لم يدرك أحد ماهيتها.. فهي لغز.. كنزه/ سره.

 

رضعت لبنَ الموت..

وتخشى أن تُحرم أثمارَه

تنشب في الجدران الباردة يديها

لا تدرك طعمَ ظلام السجن

ولا ترهب أسرارَه

 

ويبدأ شاعرنا سرد حكايتها، والتي تفوح منها رائحة مأساوية.. فتلك الروح التي ترضع شهد الحرية تخشى الحرمان من ثمارها، لعلنا نلحظ المفارقة الجيدة التي أبدعها شاعرنا، فتلك الروح التي عانت برودة جدران السجن وظلامه وقهره لم تحس، ولم ترهب هذه المعاناة من أجل لحظة تتمتع فيها بثمار الحرية..

سارة...

ترضع لبنَ الموت

وتشعل في زاوية الكهف منارة

من شرفات الكهف تطلٌّ

وتطلق من عينيها ألفَ شرارة

تحرقُ غاباتِ سموم الموت البيضاء

وتبث الخضرةَ في قسمات الوعد الجدباء

 

وهاهي الروح الإسلامية الوليدة في طريقها للانتشار فتظهر في إحدى مدن القطر. وما تلبث أن تعم القطر.. ليس ذلك وكفى.. بل تطلق من موانئ و مطارات روحها إلى الأقطار المجاورة فتحرق أفكاراً سامة مغلّفة بالخديعة.. وتحيي الأمل في المستقبل.

 

تتهادى عنقوداً من عنب في بستان الآتي

وتضيء بأفراح الحرية أشجارَه

 

إن انتشار الروح الإسلامية يجعل الطبيعة متمثلة في أشجار الكروم تُضاء (ببنزين) الحرية، ولنا أن نفهم اختيار شاعرنا لشجرة الكروم بالذات..

 

وتشكل من صخرات السجن قنابلَ ميعاد لا تخلفه

.. تنسف شيطانَ القهر وأنصارَه

تندلع بوجه الزيف لهيباً وحجارة

تُلقي في الجبّ نفاياتِ الليل...

... تعيد إلى الأفق المسلوب نهارَه

تلقي بالسحب السوداء إلى زلزال الحرية

وتخنق بركانَ الموت.. وتطفئ أمطارَه

هذه الروح تلبس كل شيء ثوب التغيير... صخرات السجن تحولها إلى قنابل تنفجر في وجه الاتجاهات الفكرية الزائفة، وترمي في القاع فضلات الأيام الغابرة، وتعيد إلى المستقبل نهاره، وتجعل من رياح التغيير زلزالاً تفتّت بها الأفكار السوداويّة المريضة، كما أنها تخنق بركان الاضطهاد لأصحاب الفكر وغيرهم...

وبرغم البرق المشتعل بعينيها

وبرغم الرعد الساكن في جنبيها

لم نعرف لونَ حكايتها

ما زالت خلفَ القضبان شرارة

ما زالت

لغزاً يكنز أسرارَه

تتهادى عنقوداً من عنب

في بستان الآتي

ويضيء بأفراح الحرية أشجارَه

ويكشف هذه الجزء من القصيدة عن حقيقة مرة توارت عن قصد، في الأجزاء السابقة.. وهي أن تلك الروح ما زالت سجينة- رغم قوتها- وما زال مصيرها لغزاً.. كنزه/ سره.. وتنتهي القصيدة بلمحة تفاؤل في انتشار تلك الروح في المستقبل.

 

* ملاحظات عامة على القصيدة:

جميع أفعال القصيدة في زمن المضارع أو تفيد المضارعة.. على نحو: أفعال جاءت في المضارع (نعرف- يكنز- تخشى - تحرم - تدرك - ترهب - ترضع - تشعل... الخ) بالإضافة إلى (مازال) من الأفعال التي تفيد الاستمرار/ معنى المضارعة، وكأن القصيدة نبوءة لما سيحدث في المستقبل. كما أن شاعرنا استخدم الأسلوب المعهود في القرآن الكريم (الإجمال ثم التفصيل).. (فحكايتها لغز يكنز أسراره) ثم يبدأ في كشف هذا الكنز (رضعت لبن الموت..تخشى أن تحرم أثماره..تنشب في الجدران الباردة يديها.... وهكذا).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply