حكمتيار والبيعة الكبرى !


  

بسم الله الرحمن الرحيم

نعم إنه تأييد كبير وبيعة كبرى! ونعم إنه حكمتيار! رئيس الوزراء في حكومة المجاهدين! أشهر وأكبر شخصية جهادية في تاريخ الشعب الأفغاني المعاصر! نعم إنه المهندس قلب الدين حكمتيار الذي بدأ جهاده ضد الشيوعية ببندقية صيد بسيطةº وهو يقاتل أكبر جيش في تاريخ العالم الحديث (الاتحاد السوفياتي سابقا) أو ما كان يطلق عليه الدب الأحمر! ظل يقاتل ويغنم في حرب كر وفر إلى أن خرج الشيوعيون مهزومين مدحورين! فمن بندقية بسيطة إلى صواريخ استنجر! كانت لديه أكبر ترسانة أسلحة خفيفة وثقيلة ادخرها بإحكام في جبال أفغانستان المنيعة!

ها هو ذا قلب الدين حكمتيار يطل علينا في يوم الخميس بتاريخ السابع من ربيع الثاني لعام 1427هـ الموافق 4 مايو 2006م.

وقد يتساءل البعض لماذا وجه خطابه باللغة العربية ولم يوجهه باللغة البوشتونية أو أية لغة محلية في أفغانستان؟ وما مغزى هذا الخطاب ودلالته؟

وللإجابة على هذه التساؤلات نحاول أن نلقي الضوء على خطاب الشيخ قلب الدين حكمتيار على النحو التالي:

أولاً: قد يقول بعض أبناء الجيل الجديد من الشباب العربي ما العجب في أن يبايع حكمتيار الشييخ أسامة بن لادن؟! أعتقد أن هؤلاء الشباب معذورون لأنهم لا يعرفون قدر الشيخ حكمتيار! فإبان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان كان حكمتيار يشغل الدنيا! فهو نار على علم! بل أزعم أن كل التنظيمات الجهادية في ذلك الوقت في كفة وحكمتيار وحزبه الإسلامي في كفة أخرى! فقد كان أكبر التنظيمات الجهادية تدريبا وانضباطاً وحنكة وأعظمها بلاء وتضحية وأكثرها شعبية وقبولاً في أفغانستان! في تلكم الحقبة كانت الدنيا تتزلف لحكمتيار لعلهم يتشرفون بوقت ولو لدقائق معدودات يفتخرون فيها بأنهم حظوا بلقاء الزعيم المجاهد المهندس قلب الدين حكمتيار! سبحان محول الأحوال!

ثانياً: إذن الشيخ حكمتيار ليس شخصاً عادياً لكي نمر على الحدث مرور الكرام! فحكمتيار هو حكمتيارº رأس كبير في قومه وزعيم يشار له بالبنان! ومكسب كبير للمجاهدين ولوحدتهم في توجيه جهادهم إلى أعدائهم المحتلين! فحكمتيار كان ينطبق عليه القول السائر: (يغضب لغضبه مائة ألف سيف ولا يسألونه لم وفيم غضب)!

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا

ثالثاً: إن تأييد الشيخ حكمتيار وإعلان بيعته صراحة للشيخين واستعداده للقتال تحت قيادتهما! ليس بالأمر الهين! فقد طُلب من الشيخ حكمتيار على مدار خمس سنوات من حكم طالبان أن يبايع الملا محمد عمر إلا أنه كان يكرر رفضه رغم أن معظم أنصاره في تلك الحقبة قد تركوه وبايعوا الملا عمر وصاروا جنوداً في حكومة طالبان! وقد يكون سبب رفضه لبيعة الملا عمر أنه كان يعتقد أنه أسبق المجاهدين وأن كل هؤلاء الطالبان يعتبرون تلامذة له وكيف ينضوي تحت لوائهم وهو أكثر خبرة!! كما أنه كان متوجساً من المخابرات الباكستانية في تلك الفترة! واستمر الوضع على هذا الحال وهو مقيم في إيران كلاجئ أثناء حكم طالبان حتى عودته مرة أخرى بعد زوال دولة طالبان. هكذا آثر البقاء في إيران على بيعة الملا عمر والدخول تحت لوائه وقيادته! إذن أمر بيعته واستعداه للقتال تحت لواء الشيخين ليس بالأمر الهين!

رابعاً: وأثناء التجهيزات الأمريكية للعدوان على أفغانستان أعلن قلب الدين حكمتيار على وسائل الإعلام رفضه لهذا العدوان الأمريكي وحرض الشعب الأفغاني لمقاومته وندد بقوات تحالف الشمال واتهمها بالخيانة وتجنب في نفس الوقت أية إساءة لحكومة طالبان وللملا عمر! لأنه اكتشف أن معلوماته كانت خاطئة وتقديراته ليست سديدة في حكمه على حكومة طالبان وأنهم ليسوا عملاء للأمريكان ولا للباكستانيين كما كان يظن من قبل! لكن اندلعت الحرب واشتد أوارها وتوارت حكومة طالبان من سدة الحكم ودخلت قوات تحالف الشمال (رباني وفهيم وسياف ودستم)!! على الدبابة الأمريكية معربدة وسافكة لدماء الأبرياء من أهل الإسلام في كابل وجلال آباد ومزار شريف وقندهار والحبل على الجرار!

خامساً: لقد ضاق الأمريكان ذرعاً بحكمتيار وتصريحاته المتكررة في وسائل الإعلام العالمية والمحلية المناهضة لقوات الاحتلال الأمريكيº فأوعزوا إلى أصدقائهم الألداء جداً! حكومة الملالي في إيران باعتقال الشيخ حكمتيار وإسكاته! فانصاعت حكومة طهران لوسوسة الشيطان الأكبر!! وقاموا بإغلاق مكاتب حكمتيار وأمهلوه أيام معدودات للخروج نهائياً من الأراضي الإيرانية!! وكان من رحمة الله بحكمتيار وفضله عليه أن ترك إيران ورجع إلى سيرته الأولى ورجع إلى كلاشينكوفه القديم الذي كان يحمله في بداية مشواره الجهادي ضد السوفيت.

سادساً: من كان يصدق أن حكمتيار يعلن تأييد وبيعته بكل هذه الصراحة؟! فالرجل لم يبايع الملا عمر وقت أن كان الملا عمر حاكماً فعلياً وله دولة اسمها إمارة أفغانستان الإسلامية! وها هو ذا يؤيد ويبايع صراحة الشيخ أسامة بن لادن كقائد عام يقاتل تحت إمرته!

سابعاً: يعلم حكمتيار يقيناً أن الشيخين (ابن لادن والظواهري) لا يزالان مبايعين للملا محمد عمر كأمير للمؤمنين وفي عنقيهما بيعة له لم تنقض بعد، وكأن هذا التأييد وهذه البيعة تمهيد لبيعة أخرى صريحة للملا عمر كأمير لدولة أفغانستان الذي يستحقها بكل جدارة واحترام، فقلب الدين يعلم أن الملا عمر يحظى بتأييد وحب واحترام كرمز لمقاومة الغزاة لدى القبائل الأفغانية والباكستانية لذلك قدم بين بيعته للملا عمر تأييده وبيعته واستعداده للقتال تحت قيادة الشيخين!

ثامناً: قد يكون من ضمن أهداف الشيخ حكمتيار أن يرد على المشككين في تحريضه لجهاد المحتلين لأفغانستان فأراد أن يقطع الشك باليقين ويقضي على كل هذه الشائعات بهذا التأييد الصريح الذي يدل على تواضع الرجل وأن التجارب قد علمته وأفادته كثيراً وخاصة في تجربته الأخيرة مع الاحتلال الأمريكي لأفغانستان.

تاسعاً: أما عن لماذا وجه الشيخ حكمتيار خطابه باللغة العربية وليس بلغة البوشتون؟

(أ) أما خطابه باللغة العربية فليس مستغرباً لأنه يريد أن يوجه رسالة إلى العالم العربي قائلاً إن حبل الإسلام موصول بيننا وأن الجهاد في العراق له صدى في أفغانستان وأن صمود الشعب الفلسطيني له صدى في الجهاد الأفغاني وإن اختلفت ألسنتنا فنحن أمة واحدة.

(ب) ولأن خطاب الشيخ حكمتيار بمناسبة تأييده وبيعته للشيخين بن لادن والظواهري فكان من المناسب أن يعبر عنه بلسان عربي مبينº باللغة العربية لغة القرآن الكريم وخاصة أن الشعب الأفغاني محب للعرب ويعتبرهم أحفاد الصحابة وأحفاد الفاتحين الأوائل الذين أدخلوا النور (الإسلام) لأفغانستان في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بقيادة القائد المسلم الأحنف بن قيس التميمي ففتح هراة ومرو عام (22هـ / 644م) ثم فتح (بلخ) عنوة حيث هزم يزدجرد وبعد وفاة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - امتدت الفتوحات الإسلامية إلى كابول وغيرها من المدن كهيرات وقندهار.

(ج) كما أنه ما أدرانا أنه لن يوجه خطاباً آخر باللغة البوشتونية! فالشيخ حكمتيار له رسائل بلغته المحلية طوال العام يحرض شبعه على مقاومة المحتل وعلى طرد الحكومة العميلة.

(د) كما أنه يعلم أن وسائل الإعلام العالمية ستتعامل بجدية مع خطابه هذا وستقوم بترجمته إلى لغات عدة منها اللغة البوشتونية فكأنه اصطاد عصفورين بحجر واحد!

(هـ) وهذه البيعة ربما تكون تمهيداً لبيعة أخرى ستتم عن قريب إن شاء الله يعلن فيها حكمتيار بيعته بكل صراحة للملا محمد عمر كأمير للمؤمنين لدولة أفغانستان وقائد عام ينضوي حكمتيار تحت لوائه لأنه يعلم أن القبائل الأفغانية تحترم وتحب الملا عمر ومن يناصر الملا عمر كالشيخ أسامة والدكتور الظواهري.

عاشراً: هذا التأييد وهذه البيعة التي سبقتها بيعة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي بالإضافة إلى الإطلالات المتكررة في غضون أسبوعيين لقادة الجهاد ضربة قاصمة للمشروع الأمريكي في حربه المزعومة (الحرب على الإرهاب)! فقد أنفقت الإدارة الأمريكية أموالاً باهظة وجندت دولاً بأكملها (أكثر مائة وخمسين دولة) مصحوبة بجيوش جرارة مجهزة بأحدث الأسلحة والعتاد! فلم تحصد إلا الخيبة والخسران وهزيمة تلو الأخرى ويكفي أن يستشهد مسلم بسيط بآية من القرآن الكريم للدلالة على النصر والظفر في نهاية الصراع (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَموَالَهُم لِيَصُدٌّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسرَةً ثُمَّ يُغلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحشَرُونَ)(لأنفال: 36).

إن أمريكا خاضت حرباً ظالمة خاطئة في وقت ظنت أنها فرصة مواتية للانقضاض على الفريسة النائمة (الإسلام) لكنها بفعلها الأحمق قد أيقظت المارد من قمقمهº فبعد أن كان تقاتل وتطارد جماعات إسلامية مجاهدة توصمها بالإرهاب كان عددها محدوداً أياً كان حجم هذا العدد بالمقارنة بعدد المسلمين!

 في مقابل ذلك نجح الشيخ أسامة وجماعته (تنظيم قاعدة الجهاد) بإيقاظ المسلمين في أنحاء العالم بجر الأمريكان إلى صراع طويل الأمد، واستنزاف طاقات الولايات المتحدة الأمريكية الهائلة في حرب لا نهاية لها إلا بانسحاب الأمريكان أنفسهم من بلاد المسلمين وتلك هزيمة نكراء لهم لن يسلموا لها بسهولة إلا في حالة كثرة الخسائر ونشرها إعلامياً أو تففتت الولايات المتحدة وانفراط عقدها كما حدث لصنوها الأحمر الاتحاد السوفييتي المقبور تاريخياً!

حادي عشر: إن خطاب الشيخ قلب الدين حكمتيار إقرار بتضحية وبلاء الشيخين (بن لادن والظواهري) والمجاهدين العرب في جهادهم ضد السوفييت واعتراف بمساعداتهم للشعب الأفغاني في جهاده الطويل ضد الغزاة. كما أن هذا الخطاب يؤكد أن هناك صلة وثيقة بين الشيخ حكمتيار والشيخين وأنه قد يكون قد بايعهما سراً في مكان ما قبل أن يعلن بيعته على وسائل الإعلام لإثبات حسن نيته وصدق طويته وجلاء بيعته. نعم إنها بحق بيعة كبرى!

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply