نفسية طالب العلم!


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يولد الإنسان وهو بحاجة ماسة لعدة مقومات، لا تقوم الحياة النفسية الطبيعية والمستقرة إلا بها، ومن ذلك الحاجة إلى التقدير والاحترام في الوسط الذي يعيش فيه، ذلك الذي يصنع في نفسه الأمان والثقة، ومن ثم الانتماء لذلك الوسط، والشعور داخله بالاحترام والثقة والاطمئنان.

وحينما يفقد الإنسان تلك الحاجات النفسية الضرورية في وقت مبكر ، ويشعر أنه تعرض للاحتقار أو الاستخفاف أو عدم المبالاة من دون استحقاق، وهو في الوقت نفسه يعتقد أنه يستحق مكانة كبيرة ولائقة به، هنا يفقد الإحساس بالأمان والانتماء إلى ذلك الوسط الذي يعيش فيه، ويتلقى منه تقييمه لذاته.

وأنواع الشخصيات التي تتعرض لمثل ذلك -في حياتها المبكرة- متعددة، وردود أفعالها متباينة، لكن إذ سلك بعض هؤلاء سبيل المعرفة وطلب العلم، وانتمى إلى الأوساط العلمية والمعرفية، تكون أحيانًا آثار تلك الخلفيات المبكرة في الحياة مؤثرة وواضحة جدًا في حياته العلمية، وشخصيته، وفي تعامله مع الآخرين.

وينقسم الأشخاص هنا إلى نوعين: الأول: وهو النوع الانهزامي، وهو يجد نفسه غريبًا عن ذلك الوسط، فيفضل الانسحاب بعيدًا عنه، لأنه يعتقد أن وجوده لم يعد ضروريًا، بل وجوده يسبب له الألم والمهانة في بيئة لا تحترمه ولا تقدره ولا تمنحه الأمن النفسي، وهذا النوع حساس وخجول ولا يحب المواجهة.

أما النوع الثاني: وهو المتمرد العنيد، فإن نقص التقدير والاحترام يولد لديه عقدة نقص عميقة جدًا، وهوة نفسية سحيقة داخله، تدفعه في سبيل التعويض عن عدم تقديره واحترامه إلى إثبات وجوده أمامهم في كل عمل يقوم به، ويرى في كل فعل -يمكن أن يقوم به- تحديًا يواجه به من كان يحتقره ويزدريه ويرفضه.

وهذا النوع غالبًا يتمتع بقدر من الذكاء، وفي الوقت نفسه: السخط، ولهذا يبحث عن عمل يُجْهِدُ فيه نفسه ليس إلا ليثبت للآخرين خطأ تقييمهم ورفضهم له، ويحرص كثيرًا على حب الثناء عليه وإبراز فضائله، ويكون مفرط الحساسية تجاه أدنى نقد، ويُنْهي أعز علاقاته وأطولها عند أدني خلاف معه أو نقد لشخصه أو أعماله.

وتعويضًا عن عدم الاعتراف به وبسبب الاحتقار وعدم الاحترام الذي تعرض له دون استحقاق -كما يعتقد- تنشأ لديه صفة معاكسة، وهي الاستكبار والغرور واحتقار الآخرين، واعتقاده أنه الأفضل من بين الجميع، وأن الجميع بحاجة إليه، وإلى علميته وثقافته وسائر أعماله، ويكون أعز الناس إلى قلبه من لا يتوقف عن مدح إنتاجه.

ونهاية مثل هذا الشعور العميق لديه؛ هو الشطط في المخالفة، واللهث في البحث عن غرائب الآراء، إذ المحرك الرئيس له هو عقدة النقص الغائرة في نفيه، والتي تبعث فيه حب لفت الانتباه وجذب الإعجاب، وإرادة التعويض عن الشعور بالنقصان السابق، ومحاولة إثبات أن الأحكام السابقة عليه كانت جائرة وكاذبة ومزيفة، وأنه أفضل الجميع.

ولهذا، فالعلم والثقافة والمعرفة لا تغير بالضرورة نفسية الشخص المعتلة، بل تلك النفسيات قد تستخدم المعرفة وسيلة من وسائلها من أجل إشباع حاجة في النفس. والمنتسبون إلى العلم والمعرفة مثلهم كمثل باقي البشر، قد تعتريهم الأعراض النفسية وتلتبس بهم الدوافع الشخصية، ويؤثر فيهم ما يؤثر في غيرهم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply