هل تعدد الزوجات مطلوب شرعًا ومرفوض ليبراليًا

3 دقائق
26 رجب 1447 (15-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

ليست كل فكرة مستقرة في أذهاننا ناشئة عن براهين وأدلة، فعقولنا مليئة بالأفكار التي نعتقد صحتها لا لأننا نمتلك دليلًا على صحتها، بل لأننا نريدها أن تكون كذلك أو نعتقد أنها ينبغي أن تكون كذلك. ولأن الإنسان لا يُراجع أفكاره عادةً ولا يُحاسب قناعاته من أين أتت وإلى أين هي ذاهبة، فإنه يتظاهر بأن كل أفكاره نتيجة وعي وتفكّر.

يذكر الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم-امتدادًا للجاحظ وابن مسكويه والغزالي وديكارت- أننا إذا أردنا الوصول إلى الحق يجب أن نتخذ ثلاث خطوات.

الخطوة الثالثة من هذه الخطوات تكمن في أن نعيد النظر بنحو مستمر في الأفكار المستقرة في أذهاننا لنختبر مدى صحتها.

ومن هنا فإننا نريد أن نضع تصوّراتنا وقناعاتنا المرتبطة بتعدد الزوجات تحت مجهر الاختبار، وأعني تحديدًا تصوّرين شائعين مشهورين:

التصوّر الأول: أن الإسلام يحث على التعدد ويرغّب فيه، وهذا التصوّر موجود عند الشرعيين وغيرهم على حدٍ سواء، حتى شاع عند بعض الناس أن التعدد سُنّة، وأن الاقتصار على واحدة ليس من السنة.

التصوّر الثاني: أنَّ الليبرالية تحرّم التعدد وتمنعه، وهذا التصوّر نشأ في أذهان الناس نتيجة كثرة مطالبة المنتسبين لليبرالية -أو لمنظومة القيم الغربية عمومًا- بمنع تعدد الزوجات، والتشنيع على المسلمين بسببه.

هذان التصوّران نريد أن نختبرهما ونرى هل هما ناشئان عن أدلة أم أنهما نتيجة التلقين والتداول الفكري العشوائي؟

وحتى نفعل ما مضى، لا بد من أن نجيب على سؤالين:

هل الليبرالية ترفض تعدد الزوجات وتطالب بمنعه؟

هل الإسلام يطلب من المسلمين التعدد ويحثهم عليه؟

السؤال الأول: هل الليبرالية ترفض تعدد الزوجات وتمنعه؟

المطالبة بتوسيع دائرة الحريات إلى حدٍ لا يتوقف إلا عند الإضرار بالآخرين فكرةٌ قديمة، قبل جون لوك الذي يُنسب إليه تأسيس المذهب الليبرالي. فقد عبّر عن هذا المعنى أرسطوطاليس في كتابه”السياسة”ونقله كذلك الفرنسي جان جاك روسو عن المركيز دارجنسون، حيث يقول:”يكون كل شخص في الجمهورية حرًا كأكمل ما تكون الحرية في ما لا يعود بالضرر على الآخرين”.

وكذلك نجدها عند الفيلسوف باروخ إسبينوزا الذي يعدُّ أحق من جون لوك في أن تُعزى إليه الليبرالية، فهو قد أوسع دائرة الحرية لتشمل فئاتٍ رفض جون لوك أن يشملها، كالكاثوليك والملحدين.

وبرغم كل ما مضى، فإنَّ الذي يعدُّ المنظِّر والمؤصِّل الحقيقي للمذهب الليبرالي هو الفيلسوف الإنجليزي جون ستيورات ميل، فهو تمامًا كالقاضي عبدالجبار عند المعتزلة، والفخر الرازي عند الأشاعرة، وابن تيمية عند الأثرية، وابن حزم عند الظاهرية.

ومن حسن حظّ صاحب هذه المقالة أنَّه لن يضطر لاستنطاق عبارات جون ستيورات ميل بما لم تنطق به، أو لي أعناق نصوصه لكي يستخرج ما يُمكن أن يُفهم منه موقفًا معينًا تجاه مسألة تعدد الزوجات، بل إنَّ جون ستيورات له نصوصٌ صريحة ومباشرة في مسألة تعدد الزوجات، فماذا كان موقفه منها؟

انطلاقًا من فلسفته في معاملة الرأي المخالف، يرى جون ستيورات أنَّ الرأي المخالف إما أن يكون صوابًا، وحينها سوف نستفيد منه. وإما أن يكون خاطئًا وهذا سيجعلنا أكثر يقينًا بصحة رأينا. وإما أن يكون كلا الرأيين يتضمن صوابًا وخطأ، وهذا يجعل الرأيين يتكاملان، ففي كل الأحوال سنجد فائدة من السماح للآخرين بالتعبير عن آرائهم.

وبناءً على ذلك فإنَّه لا داعي إذن لإيذاء الآخرين الذين يخالفوننا بالعادات والآراء، وإنما غاية ما يمكن للإنسان الليبرالي فعله هو أن يحاورهم ويناقشهم بهدف إقناعهم بترك آرائهم، وأما إذا لم يستجيبوا للحوار وبقوا على آرائهم فإنَّ أقصى ما يمكن فعله هو أن يهجرهم ويتجنّبهم.

ثم ذكر جون ستيورات مثالًا تطبيقيًا على هذا التنظير، وهو مثال تعدد الزوجات عند المسلمين، حيث رأى أن هذه القضية قضية تدل على التخلّف والرجوع عن المدنيّة، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن نمنع تعدد الزوجات؛ لأن النساء ”تقبلن التعدد بمحض إرادتهنّ، وهن اللواتي يعنيهن الأمر ويقع عليهن الحيف”.

إذن جون ستيورات يرفض فكرة منع تعدد الزوجات؛ لأنَّه يرى أنَّه قائم على رضا الطرفين، فما دام أن المرأة راضية بهذا الاختيار وليست مكرهةً عليه فليس لأحد شأنٌ في التدخّل وفرض الوصاية على عقل المرأة ومنعها من ذلك، وهذا ينسجم مع مبدأ العقلانية الذي تدعو إليه الليبرالية، فهي ترفض الوصاية على أي إنسان وتترك له كامل الحرية انطلاقًا من الاعتقاد بأنَّ الأصل في كل إنسان الرشد والعقلانية، فلا داعي للافتئات عليه.

هل ذلك يعني أنه لا يحق لأحد أن ينكر تعدد الزوجات؟

يرى جون ستيورات أنه لا مشكلة في أن ينكر الأوروبيون على المسلمين تعدد الزوجات، لكن من خلال الحوار لا من خلال الإكراه، فإذا أرادت المجتمعات الأوروبية إنكار تعدد الزواجات على المسلمين "فليبعثوا مبشرين لمقاومة هذه الدعوة، وليناهضوا تقدّم مثل هذه المعتقدات بين أبناء أمتهم بالوسائل المشروعة".

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق