فوائد من درس دلائل الإعجاز 70

4 دقائق
12 شعبان 1447 (31-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف يوم الأحد: 25 جمادى الأولى 1447 ه الموافق لـ 16 من نوفمبر 2025 م:

• عبدُ القاهر يبحث في العِلَل والأسباب والأسرار التي بها يَفضُل كلامٌ كلامًا، وأنا لا أعرف في البلاغة شيئًا يَخرجُ عن هذه الغاية، ولا أعرف في نقد الشِّعر، ولا في نقد البيان، ولا في نقد الأدب، شيئًا يَخرجُ عن هذه الغاية.

• العِلَلُ والأسبابُ والأسرارُ التي بها يَفضُل كلامٌ كلامًا هي كلُّ كُتب البلاغة، وكلُّ كُتب نقد الشِّعر.

• أشعر أن كلمة «النَّظْم» ربما تكون غريبةً عليكم، وتتوهَّمون أنها شيءٌ غامضٌ ومُحتاجٌ إلى عِلم، مع أنها ليست كذلك؛ لأن النَّظْمَ هو الكلامُ.

• التعريفُ العلميُّ الدقيقُ الذي عرَّف به عبدُ القاهر «النَّظْم» لا بدَّ أن تَعقِلَه؛ لأنه فيك، وهو مَعنًى في فطرتِك، وهو أنك تكوِّن علاقات بين معاني الألفاظ لتدلَّ هذه العلاقاتُ على المعاني التي تريد أن تُبِينَ عنها.

• الحقيقةُ العمليةُ ل«النَّظْم» أن الرَّضيعَ أوَّلَ ما يبدأ الكلام يُحْدِث علاقاتٍ بين معاني الألفاظ لتُحدِّث عن مُراده؛ فهو عملٌ يَحدُث مِن كلِّ واحدٍ منَّا بفطرته وطبيعته، ولو لم يكن يقرأ أو يكتب.

• عبد القاهر قال إن «النَّظْم» هو «تَوخِّي معاني النحو»، وكلمةُ «معاني النحو» ربما تتوهَّم أنها كلمةٌ غريبةٌ، مع أنها كلمةٌ في خاطرك أنت، وفي فطرتك أنت؛ لأن «معاني النحو» إذا قلتَ: «جاء زيدٌ» هي فاعليةُ «زيد» ل«المجيء»، وأن تَرْبطَ بين الفعل والفاعل بفطرتِك.

• حين نقرأ العِلمَ في الكُتُب يُخيَّل إلينا أنه مُحتاجٌ إلى قراءةٍ وجُهْد، إنَّما لو قرأنا العلمَ في فِطْرتنا لوجدناه أوضحَ ممَّا في الكُتب.

• تَوخِّي معاني النحو على وَفْق الأغراض هو الذي به يَحدُث التفاضلُ؛ فقد تتوخَّى توخِّيًا دقيقًا على وَفْق أغراضِك فتُصِيب كلامًا عاليًا، وغيرُك يتوخَّى توخِّيًا غيرَ دقيقٍ فيُصِيب كلامًا غير عال.

• «تَوخِّي معاني النحو على وَفْق الأغراض والمقاصد» تَرجَمها النُّبهاءُ العقلاءُ العلماءُ بعد عبد القاهر إلى: «مطابقة الكلام لمقتضى الحال».

• أدهشني أن عبد القاهر في نهاية الكتاب يقول إنه سيُبيِّن العِلَل والأسبابَ التي بها يَفضُل كلامٌ كلامًا، فقلت: إذن ماذا كنا نقرأ يا مولانا؟! فتتبَّعتُ الكتابَ إلى آخرِه لكي أنظرَ الجديدَ الذي سيُضِيفه عبد القاهر في مسألة العِلَل التي بها يَفضُل كلامٌ كلامًا، فلم أجدْ شيئًا جديدًا، وإنما وجدتُ شيئًا مهمًّا جدًّا، وهو مذكورٌ قبل ذلك، وهو أن الذي يَهدِي إلى معرفة فَضْل الكلام هو الفِطْرةُ والسَّليقةُ والقريحةُ، التي وإن اشترك الناسُ فيها فليس حَظُّهم منها سواء.

• هناك سلائقُ أو قرائح أو فِطَر أقدرُ على لَمْح الكلمة الأعلى.

• العِلمُ مسألةٌ لا تَرجِع إلى اجتهاد الذي يُحدِّثك، وإنما تَرجِع إلى اجتهادك أنت؛ فقد حدَّث الناسَ أكرمُ خَلْق الله - وهم الأنبياء - ولم يَنتفعْ أكثرُ الناس بحديث الأنبياء؛ فكيف بالطالب والأستاذ!

• سيِّدُنا نُوح قضى ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يُريد أن يُزحْزِحَ قومَه عن الوثنية، مع أن الزَّحْزحةَ عن الوثنية لا تحتاج إلى جُهد، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل.

• الذي يريد أن يَبنيَ نفسَه هو الذي يَبنِي نفسَه، وغايةُ الغايات عند المُعلِّمِ المخْلصِ الصَّادقِ: التَّنبيهُ.

• عبدُ القاهر له كلماتٌ جليلةٌ جدًّا، وحين يَجِد فكرةً جيدةً يقول: «ازرعْها في نفسك، واجعلْ صداقةً بينها وبين قلبك»، أرأيتَ إحساسَ العلماء بالعلم! أرأيتَ تربيةَ العلماء للأجيال التي لا تَخْضعُ ولا تَذِلُّ، الأجيال التي لا تُهزَم، الأجيال التي تُعطي ولا تأخذ.

• يقيني أن المسئولَ الأوَّلَ عن الأُمَم هو علماؤها وليس رؤساءها؛ لأنهم إذا أحسنوا إعدادَ الإنسان العالي لن يَستطيعَ مُتسلِّق أن يَتسلَّق وأن يَركبَ فوق هذه الرءوس العالية التي ربَّاها العلماء.

• علماءُ الأمَّة لو أنشأوا أجيالًا لا تَخضعُ ولا تَذِلُّ ولا تَقبل أن تُظلَم فلن يكون هناك مَن يُذِلُّها ولا من يَستبدُّ بها.

• الظالمُ يقول: «لا تَلُمْني أنا. أنا ظالمٌ وأنا مُخطئ نعم، لكنْ لُمِ الذي قَبِلَ أن يُظلم، ولو لم أجد من يَقبل أن يُظلم ما ظَلَمْتُ».

• لا تُضيِّعوا وقتَكم في المنازعات السِّياسية، ضَيِّعُوا وقتَكم وجُهدَكم في إعداد أجيالكم إعدادًا لا تَقبلُ به الهوان، وحينئذ لن يوجَد مَن يريد أن يُلحِقَ بها الهوان.

• لا قيمةَ لكتابٍ لم يُغيِّر العقل.

• مسائلُ العِلم ليست هي القضية، القضيةُ هي ما وراءها من تكوين العقل وتكوين الفِكْر.

• مسائلُ العِلم ليست هي الأوَّلَ والآخِر، هي الأوَّلُ، أمَّا الآخِر فهو إعدادُ عقلك.

• لمَّا وجدتُ عبد القاهر يُلِحُّ في الرُّدود على الذين يقولون إن البلاغةَ مَرجِعُها إلى الألفاظ قلتُ في نفسي: كان من الواجب أن نَدرُس البيئةَ التي أُلِّفَ فيها هذا الكتابُ دراسةً عقليةً وثقافيةً. إلخ؛ حتى نَعرِف كُنْهَ البيئة التي دفعتْ عبد القاهر إلى هذا الإلحاح.

• ثلاثةُ أرباع دروسي وكتاباتي من البيئة التي أعيشها ومن الواقع الذي أعيشه.

• عبدُ القاهر وابنُ سِنانٍ الخفاجيُّ وابنُ رشيقٍ القَيْروانيُّ = كلُّهم كانوا في بيئة زمنية واحدة (القرن الخامس)، لكنْ يا بُعْدَ ما بين كتابات عبد القاهر وكتابات ابن سنان وكتابات ابن رشيق؛ لأن كلًّا منهم كان في بيئةٍ غير بيئة الآخَر؛ فنحن أغفلنا دراسةَ الزَّمان والمكان الذي أُلِّفَ فيه المصنَّفُ، مع أنه كان أمرًا لا بدَّ منه.

• تَعلَّموا كيف تُبنى الأُمم لتَعملوا جميعًا في بناء أجيال أمَّتكم؛ تَبتغُون وجهَ الذي وصفها بأنها خيرُ أمَّة أُخرِجَتْ للناس، وتبتغون وجهَ الذي وصف أبناءها بأنهم الأعْلَوْن.

• آخرُ صفحةٍ كتبها عبدُ القاهر لم يُتمَّ فِكرتَها؛ لأن القلمَ سقطَ مِن يدِه، فأدركتُ أنه ظَلَّ يَحمل القلمَ ليكتبَ لأجيال هذه الأمَّة حتى أعجلَه الموتُ وسَقط القلمُ من يده؛ فرأيتُ حُبَّ الناس لأجيالها ولأمَّتها، وأدركتُ معنًى جليلًا جدًّا، هو أن آخرَ نَفَسٍ له في هذه الدنيا كتبَ فيه كلمةً لهذه الأمَّة.

• قرأتُ كُتبًا كثيرةً كَتبَها علماؤها بعد التسعين، وكانت مِن أجْزَل الكُتب وأفضلِها؛ لأنها تُعطيني تجربةَ عالِمٍ عاش تسعين عامًا يقرأ.

• عبدُ القاهر يقول لك: من الإنسانية أن تَرجِعَ إلى الحقِّ إذا ظهرَ لك، فإذا ظهرَ لك الحقُّ وأبيتَ أن تَرجِع إليه فهذا منك ضدُّ إنسانية الإنسان، أرأيتَ الحضارة! أرأيتَ الوعيَ الحضاريَّ!

• البُرهانُ والحُجَّةُ فوق رأسي وفوق رأسك، البُرهانُ والحُجَّةُ فوق رأس أعلى رءوسنا وأسفلِ رءوسنا، فإذا كان فينا رأسٌ يَرفُض الحُجَّةَ والبُرهان فتأكَّدْ أن هذا ليس نقصًا في الرأس، وإنما هو نَقصٌ في إنسانية هذا الإنسان، وهذا ألعنُ وأضلُّ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق