الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قمت هذه الليلة وقد أراني الله رؤيا عجيبة، بيّن لي فيها حقيقة الدنيا وأهلها، وكيفيّة النجاة من متاهاتها وفتنها.
رأيتُ أني في بيت كبير جدًّا، يتكون من ثلاثةِ طوابق، وكلّ طابق يشتمل على أجنحة كثيرة واسعة، وبعضها مهجورة، وبعض طرق البيت تسير بك إلى سطحها المرتفع، الذي يهوي بك إلى الأرض دون أن تشعر، فتسقط وتهلك.
فرأيت أنّي في وسط هذا البيت الكبير، ولا يُمكن لي ولا لغيري الخروج منه إلا بإرشاد رجل خبير عارف بطرقه، فأخبرني هذا الرجل بالطريق السليم الذي ينتهي بي إلى المخرج، فذهبت مباشرة دون فهمِ وضبطِ وصْفِه وكلامه، وأنا في قرارة نفسي أعلم أنّ كلامه لا يكفي ولا يشفي، دون أن أطلب منه أن يعيد ويكرّر، وأن آخذ منه ورقة أكتب فيها كلامه ووصف الطريق لأسير عليها.
فذهبت وتخبطت وسلكت طريقا موحشًا إلى الأعلى، فلما انتهيت إذا بي أتفاجأ أني فوق السطح المخيف، وقد كدت أسقط.
فناداني صاحبي وقال ارجع، وقلت في نفسي: كيف عرف ذلك، وكيف رآني؟ فشعرت أنه هناك كمرات مراقبة كان يتَتَبّعني من خلالها ويرشدني ويحذرني إذا ضللت وضعت.
فاتجهتُ نحو الصوت، وظننته في أسفل البيت فلما سلكت الطريق إذا هو موحش مظلم، فناداني وطلب مني أن آتيه. فعلمت أنه في وسط الدار، لا في أسفله ولا في أعلاه.
فلما جئته وجدت في وسط الدار الحياة، ووجدت جموع الناس، وتعجبت: كيف لم أسمعهم ولم أشعر بهم!
وفي وسط الدار عدة أجنحة وأفنية، فرأيتُ في جهة أناسًا ساكنين في غرفها التي بدَت خرِبة ووسخة، فتعجبت منهم، كيف يصبرون على السكن في هذا المكان الوسخ!
ورأيت في جهة أخرى بيتًا خرابًا، فتأملته فإذا هي بيتٌ لرجل أعرفه، كانت عامرة حية بأهلها ثم تركوها وهجروها فخربت، وتهدم بنيانها، وماتت أشجارها، وسقطت أبوابها. فجلست أبكي. وقلت في نفسي: ما أحقر الدنيا. هذا شأنها وشأن أهلها.
ورأيت في الجهة الثالثة طريقا واضحًا، فأمرني أن أسلكه، فإذا هو واسع نظيف بيّن منير. وسمعت صوت عالم من علماء المسلمين رحمه الله يحدّث ويرشد الناس ويحذرهم من الاغترار بالدنيا، فشعرت براحة لكلامه.
فما زلت أسلك الطريق وأنا مطمئنُّ البال، ساكنُ النفس، حتى استيقظتُ، ثم دوّنت ما رأيتُ مباشرة.
ولقد وضح لي تعبيرها، واتضح لي مغزاها.
إنّ في هذه الحياة الدينا التي نعيشها متاهات كثيرة، وأخطارًا عظيمة، وطرقًا تؤدي إلى الضياع والضلال.
الدينا فتنة في حدّ ذاتها، وفيها فتن كثيرة، وأخطارٌ عظيمة.
من عاش فيها ضاع ولا بدّ. وتخبط بين طرقها الكثيرة، وفتنها الرهيبة.
ويستمر في هذا التخبط والضياع حتى يخرج منها خاسرًا. ويواجه الحساب العسير.
ومن أراد الله به خيرًا:
- وفّقه لمعرفة الحقّ والأخذ به والثبات عليه، والحقُّ وسط بين الغلو والتساهل، ودين الله عدْلٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، والإسلام وسَطٌ بين المِلَل، والسُّنَّة وسَطٌ بين البدع.
- ودلّه على مرشد ناصح أمين خبير بالدنيا وطرقها والمخرج منها، ويكون معه ويرافقه في جميع حالاته حتى يخرج منها سالما من فتنها، وحَذِرًا من طرقها الخطيرة.
ولا يكفي معرفتك بهذا المرشد، ولا سماع وفهم إرشاده، بل لا نجاة لك إلا بأن يحوطك بنصحه وعنايته.
وهذا المرشد هو خالق الدنيا، العالم بفتنها وطرقها الخطيرة. وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، وقال: {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ}.
وقد هيأ الله للمؤمن ملَكا يرشده ويدلّه على الحق والخير، ويحذّره من الشر والضلال والضياع.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن للمَلَكِ لَمَّة – وهي الهَمَّة والخَطْرة تقع في القلب -، وللشيطان لَمَّة، فلَمَّةُ المَلَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، ولَمَّةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحق»، [أخرجه ابن المبارك (1435) وأحمد (859)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذا الكلام الذي قاله ابنُ مسعود هو محفوظٌ عنه].
قال ابن القيم رحمه الله: *ملَكُ المؤمنِ يردّ عنه ويحارب ويدافع، ويعلّمه، ويثبّته، ويشجّعه، وهو وليّه في يقظته ومنامه، وحياته، وعند موته، وفي قبره، ومؤنسُه في وحشته، وصاحبُه في خلوته، ومحدّثُه في سرّه، وإذا اشتدّ قربُ الملك من العبد تكلّم على لسانه، وألقى على لسانه القولَ السديدَ. وإذا بعُدَ منه، وقرُبَ منه الشيطان، تكلّم على لسانه، وألقى عليه قول الزور والفحش، حتى ترى الرجلَ يتكلّم على لسانه الملَكُ، والرجلَ يتكلم على لسانه الشيطانُ*. [الداء والدواء (ص251- ٢٥٥)].
وكثير من الناس يعرف الإسلام، ويؤمن بالله، ويقرأ القرآن، ولكنه ضائع في متاهات الدنيا، ضال عن الطريق الصحيح.
ولا يلزم من معرفتك للحق أن توفّق له وتعمل به، ولا يلزم من معرفتك لطريق النجاة أن تسلكه، ولا يلزم من سلوكك الطريق أن تثبت عليه حتى النهاية. بل لابد من الحرص الشديد على طلب الحق وسلوك الطريق والثبات عليه. ولا بد من توفيق وعناية ولطف اللطيف الخبير لك.
ولهذا كان من دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أصلحْ لي شأني كلَّه، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين، ولا إلى أحدٍ مِن خَلْقِك"، وكان يدعو: "يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك"؛ لأنه يعلم ﷺ أن قلبه بيد الرحمن عز وجل، لا يملك هو منه شيئًا، وأنَّ اللَّه عز وجل يصرفه كما يشاء، كيف وهو يتلو قوله عز وجل: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}.
وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبّته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما.
وأنت - أخي المسلم وأختي المسلمة - تحتاج في هذه الحياة إلى ثلاثة أمور:
الأول: إلى معرفة الطريق الذي ينجيك منها ومن متاهاتها وفتنها الكثيرة المخيفة المهلكة، وهذه المعرفة محصورةٌ في القرآن الكريم، وفي سنة النبيّ ﷺ علمًا وعملا.
الثاني: إلى ثبات عليه، وحرص شديد على سلوكه، وسماع صوت الحق، واتباع الخبير العليم الذي خلقك وخلق الدينا، ودعائه بصدق أن يدلك على الطريق الحق والثبات عليه.
الثالث: إلى مجالسة الصالحين، والاستماع للعلماء الناصحين، ومجانبة الفاسدين والقراءة لهم ومتابعة حساباتهم؛ وقد قال الله تعالَى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}، وقالَ تعالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}، ونحن من باب أولى.
اللهم ثبتنا على دينك حتى نلقاك.