صفات الطغاة في القرآن الكريم

3 دقائق
26 رجب 1447 (15-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

حين يفتح القرآن ملفَّ الصراع في التاريخ، فإنه لا يقدمه بوصفه حكاياتٍ ماضية للتسلية، ولا قصصًا أخلاقية مجردة، بل يقدمه كقانونٍ جارٍ، وسنّةٍ ممتدة إلى آخر العمران البشري. صراعٌ ثنائي واضح: إيمان وكفر، إصلاح وإفساد، توحيد وطغيان. وكأن القرآن يريد أن يقول لك من البداية: لا حياد هنا.

الله سبحانه وتعالى قسّم الناس تقسيمًا حاسمًا:

﴿فَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ [التغابن: 2].

وقسّم المجتمعات كذلك: مجتمعات قائمة على الحق، وأخرى غارقة في الفساد. مصلحون في مقابل مفسدين، مظلومون في مقابل متجبرين. وهذا التقسيم ليس طارئًا ولا مرحليًا، بل ممتد «إلى نهاية البشرية»، كما تشي بذلك كثافة حضوره في قصص القرآن.

ومن هنا تأتي أهمية السؤال: لماذا هلك الهالكون؟ ولماذا نجا الناجون؟

القرآن لا يكتفي بأن يخبرك أنهم هلكوا، بل يشرح لك كيف ولماذا، حتى لا تعيد إنتاج المشهد نفسه وأنت لا تشعر.

عندما يذكر القرآن فرعون، أو النمرود، أو قارون، فهو لا يذكر أشخاصًا فحسب، بل يعرّفك على نماذج. هذه النماذج لم تُذكر عبثًا، بل لتُستحضر في الواقع، ولتُعرَف سماتها حين تتكرر بأسماء جديدة ووجوه مختلفة.

خذ نموذج فرعون كما عرضه القرآن في سورة القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: 4].

العلوّ أول علامة من علامات الطغيان: علوّ بالسلطة، وبالقهر، وبالاستكبار على الخلق. ثم تأتي سياسة التفريق: جعل أهلها شيعًا. تقسيم المجتمع، تمزيق وحدته، زرع الصراعات الداخلية؛ حتى لا تقوم للناس قائمة.

لكن القرآن لا يقف عند توصيف الطاغية الفرد، بل يكشف بنية الظلم كاملة. فالظلم لا يقوم على شخص واحد، بل على أركان متعاونة، تتكرر في كل زمان.

الركن الأول: الطاغية السياسي، رأس المنظومة، صاحب القرار والقهر.

والركن الثاني: النخبة المساندة، ممثلة في هامان، الوزير والمستشار، الذي يمنح الطغيان غطاءً إداريًا وسياسيًا.

والركن الثالث: المال، ممثلًا في قارون، الذي يموّل الظلم ويثبّت أركانه.

والركن الرابع: توظيف العلم أو المهارة لخدمة الباطل، كما فعل السحرة قبل إيمانهم، حين قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الأعراف: 113].

علمٌ بلا قيم، ومهارة بلا ضمير.

ثم يأتي ركن خامس لا يقل خطرًا: الدعاية الكاذبة والإعلام المضلِّل. ﴿وَقَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: 48]. تشويه المصلحين، ووصمهم، وصناعة صورة زائفة عنهم في وعي الناس.

هذه الأركان لا تنتمي إلى زمن فرعون فقط، بل هي وصفة جاهزة لأي دولة ظلم. تتبدل الأسماء، لكن البنية واحدة. ولذلك كان القرآن حريصًا على كشفها، حتى لا يُخدع الناس بالمظاهر.

وفي مقابل هذا البناء المتماسك للفساد، يعرض القرآن نموذج الإصلاح. موسى وهارون عليهما السلام لم يواجها فرعون بعشوائية، بل بمنهج. واجه كل ركن بما يناسبه، حتى تهاوت المنظومة كلها في النهاية.

وفي ختام سورة القصص، يطوي الله الصفحة بكلمة جامعة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88].

ذهب فرعون، وذهب قارون، وذهب الملأ، وذهبت الدعاية، وبقي الحق. هذه ليست خاتمة قصة، بل خاتمة قانون.

ولهذا لم يرد الله من عباده أن يكونوا صالحين فقط، بل أرادهم مصلحين. ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170]. والفرق كبير بين من يصلح نفسه وينسحب، ومن يصلح نفسه ويواجه الفساد من حوله.

وسورة الأعراف مثال واضح على هذا المعنى. نزلت - كما قال أهل التفسير- بعد الجهر بالدعوة، في زمن الصراع المفتوح. فبدأت بالصراع الأول: آدم وإبليس، ثم توالت قصص الأنبياء مع أقوامهم، حتى ختمت بموسى وفرعون. وكأن السورة تقول: هذا طريق الدعوة، وهذا ثمن الإصلاح.

ثم تعود السورة لتضع المنهج بوضوح: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: 3].

ثم تختم بالقاعدة الذهبية: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.

الإصلاح إذن طريق، لا شعار. وله قدوة، لا ارتجال. والإنسان أحوج ما يكون في هذا الطريق إلى أن ينظر خلفه، لا ليبكي على الأطلال، بل ليقتدي. ولذلك كان أفضل كتاب لدراسة تجارب المصلحين هو كتاب الله.

القرآن نفسه يصرّح بوظيفته في هذا الباب: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120].

قصص حقيقية، لا مزورة، ولا منتقاة بعناية سياسية، بل «أحسن القصص».

ولذلك لما أوذي النبي ، وتعرض للأذى، قال: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" [صحيح البخاري].

كان يستحضر التجربة، ويستمد منها الثبات.

هذه هي معاني طريق الإصلاح كما يعرضها القرآن: وعيٌ بالمعركة، معرفةٌ بملامح الطغيان، اقتداءٌ بالصادقين، وصبرٌ طويل النفس. ومن فهم هذا، لم يعد يقرأ قصص القرآن كحكايات، بل كخرائط طريق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق